[1] وقد علل الله - عز وجل - كثيرا من أحكامه بإرادة التخفيف والتيسير على العباد: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) } [2] ويدل على ذلك أيضا استقراء أحكام الشريعة فإنها بفضل الله يسيرة سهلة تحقق مصلحة الخلق.
والعلماء يعبرون عن هذه القاعدة بتعبير يخالف تعبير المؤلف هنا، المؤلف هنا يقول: التعسير سبب للتيسير، والعلماء يعبرون عنها بلفظ آخر، فيقولون: المشقة تجلب التيسير، ولعل لفظ المؤلف أولى من لفظ الفقهاء، وذلك لعدد من الأمور:
الأمر الأول: أن الشريعة إنما جاءت بنفي العسر، ولا يوجد فيها نفي المشقة.
والأمر الثاني: أن أحكام الشريعة لا تخلو من نوع مشقة، لا شك أن الجهاد فيه مشقة، وأن الأمر بالمعروف فيه مشقة، بل إن الصلاة فيها مشقة كما قال -سبحانه-: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) } [3] لكن هذه المشقة ليست هي الغالبة على الفعل، هذا من جهة، والجهة الثانية: أن هذه المشقة التي في الفعل مقدورة للمكلَّف، ومن جهة ثالثة: أن المصلحة في هذا الفعل أعظم من المشقة الواقعة فيه؛ ولذلك نجد الطبيب يصف للمريض الدواء مرًّا، لكن المصلحة المترتبة على الدواء أعظم، وهي الخاصية التي جعلها الله - عز وجل - في الدواء يُشفَى بها المريض هذه المصلحة أعظم من المشقة الحاصلة في الدواء، وكذلك أحكام الشريعة.
والشارع لا يقصد المشقة لذات المشقة وإنما مقصوده المصلحة الواقعة في الفعل، وسبب آخر أن المشقة ليست منضبطة؛ متى يوصف الفعل بأنه مشقة؟ هذا أمر تختلف فيه وجهات النظر؛ ولذلك لا نجد الشريعة تعوّل على المشقة في بناء الأحكام، وإنما تعوّل على رفع العُسر ورفع الحرج.
(1) - سورة البقرة آية: 185.
(2) - سورة النساء آية: 28.
(3) - سورة البقرة آية: 45.