وكل محظور مع الضرورة ... بقدر ما تحتاجه الضرورة
في هذا البيت شرط من شروط القاعدة السابقة، وهو أنه لا يتناول من المحظور إلا بالمقدار الذي تندفع به الضرورة، ودليل هذا قول الله - عز وجل - {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} [1] اشترط عدم البغي، وعدم العدوان، والعدوان: الزيادة في مقدار الواجب، في المقدار، فمن زاد فإنه يلحقه الإثم، هذا دليل القاعدة.
وقوله:"غير باغ"استدل العلماء بهذا اللفظ، على أن الرُّخص لا تناط بالمعاصي، وأن من سافر سفر معصية، لم يجز له أن يترخص برخص السفر، من الفطر أو جمع الصلاتين أو القصر، وكذلك جميع الرخص، إلا إذا كان مضطرًا إليها.
وهنا مسألة متعلقة بقواعد الضرورة، وهي: هل الضرورة تبطل حق الغير؟ إذا اضطررتُ إلى مال غيري وتناولته، هل يحق للغير أن يطالب بضمان هذا المال؟ أو لا يحق؟ هذا فيه تفصيل، نقول: ننظر هل الضرورة نشأت من حق الغير؟ فإن كانت الضرورة نشأت من حق الغير، فإنه حينئذ لا حق لذلك الغير.
مثاله: إنسان هاج عليه جمل، فاضطر إلى قتله؛ دفاعا عن نفسه، هنا مضطر. هل يحق لصاحب الجمل أن يأتي إليه ويقول: أعطني قيمة الجمل؟ نقول: لا، لا يحق له؛ لماذا؟ لأن الاضطرار هنا ناشئ من ملك الغير، ناشئ من ذات المملوك، فحينئذ لا يجب الضمان.
أما إذا كان الاضطرار ليس ناشئا عنه، مثال ذلك: مضطر جائع، لم يجد إلا جملا مملوكا لغيره، فذبحه وأكله. فحينئذ الاضطرار ليس ناشئا عن ملك الغير، ومن ثَم فإنه يضمن ذلك الملك. وعبروا عنه بقولهم: الاضطرار لا يبطل حق الغير. مرادهم إذا لم يكن ناشئا عنه.
(1) - سورة البقرة آية: 173.