يقول: لكن عنون بجانبه:"قاعدة اليقين لا يزول بالشك". فهل هناك علاقة بينهما؟
ج: هذه النسخة -التي عندك يا أخي العزيز- مغلوطة، والظاهر أن هذا العنوان للبيت الآتي، فلعلك تصحح نسختك. نعم.
س: أحسن الله إليكم. يقول -حفظكم الله-: كيف نجمع بين قولكم: إن ضرورة النفس مقدمة على المال، وحديث"من قتل دون ماله فهو شهيد"وجزاكم الله خيرا؟
ج: نعم، ورد في عدد من الأحاديث، أن"من قُتل دون ماله فهو شهيد"بل ورد في الحديث الآخر، أن النبي - سئل قيل له:"الرجل يأتي ليأخذ مالي؟ قال: لا تعطه. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: أنت شهيد".
فهنا لم يتعارض أصل مصلحة النفس بأصل مصلحة المال، وإنما تعارض ظن مصلحة النفس مع فوات مصلحة المال المتيقنة، فقدمت؛ لوجود اليقين؛ ولوجود الظن. فالتفاوت هنا من أجل اليقين والظن، هذا من جهة. الجهة الثانية: من دافع دون ماله، هو لا يعلم هل ستفوت نفسه؟ أو لا تفوت؟ لكن قرر العلماء بالإجماع: أن من دفع ماله جاز له ذلك، إذا كان فيه افتداء لنفسه، وأن حديث"لا تعطه"-وإن كان نهيا- حملوه على غير محمل التحريم، واستدلوا على ذلك بالنصوص الواردة بحفظ النفوس. قالوا: والنهي هنا جاء بعد أمر، والنهي بعد الأمر لا يستفاد منه التحريم، عند كثير من أهل العلم. نعم.
س: أحسن الله إليكم. وهذا يقول: هل يرى شيخ الإسلام، أن جلب المصالح أولى من درء المفاسد؟
ج: عبارة شيخ الإسلام -رحمه الله-"أن اعتناء الشارع بالمأمورات أعظم من عنايته بالمنهيات". ويفهم من هذه العبارة هذا المعنى الذي ذكر السائل، وإن لم يصرح به صراحة. وقد أطال شيخ الإسلام في الاستدلال لهذه القاعدة، فذكر لها ستة وعشرين دليلا، مما يطول الحديث عنه.
س: أحسن الله إليكم. يقول: نريد توضيح المصالح المرسلة، وما ضابطها؟ وجزاكم الله خيرا.
ج: المصالح المرسلة: هي التي لم يأت في الشرع اعتبار لها، ولا إلغاء لها. وقد اختلف الفقهاء في حجيتها، هل هي حجة، بحيث يعمل بها إذا لم يوجد نص ولا قياس؟ وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رأيا أنه لا يمكن أن توجد مصلحة مرسلة، وجميع المصالح منصوص عليها، ومن ظن أن هناك مصلحة، فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن تكون المصلحة غير حقيقية، وأن يكون متوهما. وإما أن يكون ورد نص من الشارع، يدل على كون هذا الفعل معتبرا، فتكون مصلحة معتبرة.
ويستغنى عن تقرير هذا الأصل بتقرير عدد من القواعد، منها: الاستدلال بدليل القياس. فإن من مسالك التعليل المستنبطة، أن يكون الوصف مناسبا. فيستغنى بذلك عن المصالح المرسلة؛ لأن المصالح المرسلة يحكم بإثباتها، ولو لم يوجد لها شاهد. بخلاف القياس المبني على الوصف المناسب، فلا بد أن يكون له شاهد معين.
ويستغنى عن هذه القاعدة بقاعدة:"تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة"الذي جاء بإثباته عدد من النصوص الشرعية.
س: أحسن الله إليكم. يقول: أشكل عليّ فهم هذه الآية {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} [1] هل هذا يعني: العمل ببعض الشرع، وترك البعض الآخر؟ وبارك الله فيكم.
ج: المراد بذلك: أنه إذا تعارض في نظر المجتهد دليلان، عمل بالأرجح منهما. هذا المراد بالآية. وإضافة الأحسن لما أنزل، دليل على: أن الجميع قد أنزل من عند الله - عز وجل - ومن المعلوم أن أدلة الشريعة لا تتعارض في نفسها؛ لقوله - عز وجل - {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } [2] ولكن التعارض في نظر المجتهد، فإذا تعارضت في نظر المجتهد، وجب عليه الترجيح بدلالة هذه الآيات.
(1) - سورة الزمر آية: 55.
(2) - سورة النساء آية: 82.