قول المؤلف هنا:"وترجع الأحكام لليقين"معناها: أن الشريعة عوّلت في أحكامها على اليقين. ويراد باليقين في لغة العرب: زوال الشك. وقال بعض الأصوليين: إن اليقين في اللغة مأخوذ من الاستقرار، يقال: يقن الماء بمعنى استقر. واليقين في الاصطلاح: طمأنينة القلب، واستقرار العلم فيه.
والشك في اللغة يراد به: التداخل؛ وذلك لأن الشاك يتداخل عنده أمران، لا يستطيع الترجيح بينهما. والشك في الاصطلاح: تجويز أمرين فما زاد، ولا مزية لأحدها على سائرها. فيَرِد عنده احتمالان أو أكثر، ولا يتمكن من الترجيح بين تلك الاحتمالات.
وقول المؤلف هنا:"وترجع الأحكام لليقين"يعني: أن الشريعة عولت في أحكامها على اليقين، وليس مراد المؤلف هنا: عدم إعمال الظن الغالب؛ لأن الشريعة جاءت بإعمال الظن الغالب في عدد من المسائل، ويدل على ذلك: قول الله -جل وعلا-: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [1] فعول بالحكم على الظن، والمراد به: الاحتمال الراجح.
ومثله قول النبي -"لا أظن أن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا"كما في الصحيح، فعول على حكم الظن. وهذا مذهب جماهير أهل العلم، أن الظن الغالب يُعمل به مطلقا. وقال الظاهرية: بأن الظن يُعمل به في تحقيق مناط المسائل. مثل: العمل بشهادة الشهود، مع كونها ظنية.
لكن لا يعمل بالظن في أدلة الشريعة؛ ولذلك أنكروا العمل بالقياس، والعمل ببعض المفاهيم الظنية. ومذهب الجمهور أقوى من جهة الدليل السابق، وهو أن الشريعة قد عوّلت على الظن في كثير من الأحكام الشرعية.
ومراد المؤلف بقوله:"فلا يزيل الشك لليقين": أن الشك إذا ورد على الإنسان، وكان عنده يقين وقطع سابق، فإنه لا يلتفت إلى الشك. بل المعول عليه اليقين السابق.
(1) - سورة البقرة آية: 230.