الصفحة 42 من 61

واختار موسى من قومه سبعين رجلا مِن خيارهم, وخرج بهم إلى طور"سيناء"للوقت والأجل الذي واعده الله أن يلقاه فيه بهم للتوبة مما كان من سفهاء بني إسرائيل من عبادة العجل, فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك -يا موسى- حتى نرى الله جهرة فإنك قد كلَّمته فأرِنَاهُ, فأخذتهم الزلزلة الشديدة فماتوا, فقام موسى يتضرع إلى الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتُهم, وقد أهلكتَ خيارهم؟ لو شئت أهلكتهم جميعًا من قبل هذا الحال وأنا معهم, فإن ذلك أخف عليَّ, أتهلكنا بما فعله سفهاء الأحلام منا؟ ما هذه الفعلة التي فعلها قومي من عبادتهم العجل إلا ابتلاءٌ واختبارٌ, تضلُّ بها مَن تشاء مِن خلقك, وتهدي بها من تشاء هدايته, أنت وليُّنا وناصرنا, وهنا يدعوا موسى عليه السلام ربه تعالى فاغفرلنا ذنوبنا, وارحمنا برحمتك, وأنت خير مَن صفح عن جُرْم, وستر عن ذنب.

الآية 156: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ.

في هاتين الآيتين الكريمتين (155 - 156) دعاء موسى عليه السلام بعدما ذهب إلى موعده مع ربه سبحانه (بعد حادثة العجل) حيث أخذت الرجفة الرجال من قومه الذين جاءوا معه حيث فيها:

1 -الدعاء بطلب المغفرة من الله سبحانه والرحمة منه تعالى حيث أن الله سبحانه هو ولي المؤمنين وغافر ذنوبهم وراحمهم.

2 -الدعاء من الله سبحانه أن يكتب لهم في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة كذلك لأنهم آمنوا بالله وسلموا له (إنا هدنا إليك) مرجعين الأمر والحكم كله لله سبحانه وتعالى. فأجابهم سبحانه بما يلي:-

3 -أنه سبحانه يصيب بعذابه من يشاء وأما رحمتة الواسعة فللمتقين.

4 -أن رحمة الله سبحانه لاحدود لها وهي تسع كل شئ.

5 -وعد من الله سبحانه وتعالى أن رحمته تشمل المؤمنين المتقين والذين يخرجون زكاة أموالهم ولا يبخلون بها والذين هم مؤمنون بآيات الله الواردة في كتبه سبحانه المنزلة على رسله عليهم السلام.

الآية 180: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

لعظمة ما في هذه الآية الكريمة سنتوسع في شرحها:

يقول الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن لله تسعة وتسعون اسما مئة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر) وعددها. ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست محصورة في التسعة والتسعين، بدليل مارواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أصاب أحد هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك أسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، اوأنزلته في كتابك، او استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحًا) . فقيل يارسول الله أفلا نتعلمها؟ فقال بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها.

وهذه آية عظيمة حيث يدعوا سبحانه عباده لدعائه بأسمائه الحسنى التي سمى نفسه تعالى بها.

يقول الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر السابق -رحمه الله- في تقديمه لكتاب (( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) )للسيد أحمد عبد الجواد:

والدعاء -كما أخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم -عبادة بل هو مخ العبادة بل الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض وليس شئ أكرم على الله من الدعاء، كل هذا جاءت به السنة الغراء والقرآن الكريم من قبل ومن بعد. ثم يقول لكنا نتساءل كيف نذكره سبحانه وكيف ندعوه؟ وبم ندعوه ونذكره؟ إن القرآن الكريم يقارب بين الذكر والدعاء في الكيفية فيعلمنا كيف ندعوا الله وكيف نذكره، فيقول الله سبحانه (واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة) -ويقول سبحانه- (واذكر اسم ربك وتبتل اليه تبتيلا) ويقول -سبحانه- (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريب من المحسنين) ويقول -سبحانه- (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) ويقول - سبحانه- قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيًا ماتدعوا فله الأسماء الحسنى).

إن الذاكر يذكر الله متذللًا خائفًا وأن الداعي يدعوه خائفًا طامعًا ومن ثم نستطيع أن نقول: إن الذاكر بخوفه يكون داعيًا متذللًا وأن الداعي بتذلله يكون ذاكرًا طامعًا في رحمة ربه.

والأسماء الحسنى في هذا المجال _مجال الذكر والدعاء_ هي ديدن الذاكرين لا لأنها ذكر الله بذكر أسمائه الكريمة فحسب بل لأنها - مع ذلك - تتضمن الدعاء والرجاء بما تحمله هذه الأسماء من معانٍٍ سامية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت