والخوف أو الجدب أو حصول اليسر وزوال العسر في المعيشة، فإن ذلك لذَّات بدنية ونعم دنيوية، قد يحصل للكافر منها أعظم مما يحصل للمؤمن، وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم من أن يعبر عن كنهه مقال، أو يستحضر تفصيله بال، ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه، ولهذا قال بعض السلف: يا ابن آدم، لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك، وقال بعض الشيوخ: إنه ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه، فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي، خشيةَ أن تنصرف نفسي عن ذلك، لأن النفس لا تريد إلا حظها، فإذا قضي انصرفت. مجموع الفتاوى (10/ 333 - 334) .
19 -أنه يرد القضاء، فعن ثوبان مولى رسول الله أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( ولا يرد القدر إلا الدعاء ) )- أخرجه أحمد (5/ 277) ، والترمذي في القدر (2139) ، وابن ماجه في المقدمة (90) ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (7687) .
قال الشوكاني:"فيه دليل على أنه سبحانه يدفع بالدعاء ما قد قضاه على العبد، وقد وردت بهذا أحاديث كثيرة"- تحفة الذاكرين (ص 29) .
وقال:"والحاصل أن الدعاء من قدر الله عز وجل؛ فقد يقضي على عبده قضاء مقيدًا بأن لا يدعوه، فإذا دعاه اندفع عنه"- تحفة الذاكرين (ص 30) .
وقال المباركفوري:"القضاء هو الأمر المقدر، وتأويل الحديث أنه إن أراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه به ويتوقاه، فإذا وُفق للدعاء دفعه الله عنه، فتسميته قضاء مجاز على حسب ما يعتقده المتوقي عنه"- تحفة الأحوذي (6/ 289) .
وقال ابن القيم:"والصواب أن هذا المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه، وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال، ودخول النار بالأعمال"- الجواب الكافي (ص 16) .
20 -أنه دليل على توحيد الله تعالى وإثبات ربوبيته وأسمائه وصفاته، قال ابن عقيل:"قد ندب الله تعالى إلى الدعاء وفيه معان: الوجود والغنى والسمع والكرم والرحمة والقدرة، فإن من ليس كذلك لا يدعى"- انظر: الآداب الشرعية (2/ 280) .