وكان أنبياء بني إسرائيل أيضًا يُمْسَحون بالزيت إعلانًا عن نبوتهم واعترافًا بها. وكان يقوم بعملية المسح هذه رئيس أحبار اليهود أو أحد الأنبياء الأكبر سنًا إذا ظهر في حياته نبي جديد من أنبياء بني إسرائيل. وهكذا مسح يوحنا المعمدان (سيدنا يحيى عليه) المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام.
ولم يكن ظهور نبي جديد ممسوحًا أو غير ممسوح، أقصد مسيحًا أو غير مسيح شيئًا مقلقًا أو أمرًا عجبًا أو عجيبًا بين بني إسرائيل لكثرة ظهور الأنبياء بينهم حيث جرت بذلك مشيئة الله تقويمًا لاعوجاجهم المستمر. ولكننا نرى أن اليهود من بني إسرائيل قد استحدثوا"للمسيح"معنى شاذًّا ابتدعوه ورسّخُوه في أعماق نفوسهم وتناقلوه عبر أجيالهم. ويتمثل في مفهوم ذلك المعنى"للمسيح الذي اخترعوه"تمييزهم العنصري واعتقادهم أنهم شعب الله المختار وحلمهم المجنون بأن يحكموا العالم، كل العالم.
وهكذا تجسد"للمسيح في أذهان اليهود"معنى عجيب حقًا. أصبح معنى"المسيح عندهم"هو النبي، ليس أي نبي يُمْسَح بالزيت، ولكنه"النبي المسيح بالزيت الذي يأتي لهم بالشريعة الإلهية الكاملة التي يحكمون بها العالم بأسره عندما يقولون للعالم:"ألسنا نحن بني إسرائيل الذين نعطيكم شريعة الله. إذًا دعونا نحكمكم بشريعة الله". إنني لم أتوصل إلى هذا المعنى اليهودي الإسرائيلي للمسيح خبط عشواء، ولكن يقوم عليه وجودًا وصحة أقوى دليل. ولو صحت رواية إنجيل يوحنا، وهي على الأرجح صحيحة في هذه المسألة، لو صحت رواية إنجيل يوحنا عندما احتاط اليهود بسيدنا عيسى وهو يتمشى في رواق سليمان بالمعبد فقالوا له:"إلى متى تعلق أنفسنا. إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهرًا". (يوحنا 10: 24) - لماذا لم يقل لهم المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام إنه المسيح؟ لماذا لم يقل لهم جهرًا وبكل بساطة ووضوح وحسم:"نعم. أنا المسيح". ولقد كان المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ممسوحًا بالفعل بالزيت على يد يوحنا المعمدان. ولكن المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام كان يعرف المعنى الخاص"الخصوصي"لكلمة"المسيح"الواردة في سؤال اليهود الذين كانوا قد احتاطوا"