فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 75

المستضيء بأمر الله -رضي الله عنه- كانت من خواصيه و سراريه، لها المكانة الرفيعة عنده، والمنزلة العالية والحكم النافذ والأمر والنهي، وكانت صالحة كثيرة الخير، فائضة المعروف، متفقدة للفقراء والمساكين، كثيرة الصدقة والبر، جعلت دارها بأسفل البلد على شاطئ دجلة مدرسة ووقفتها على الحنابلة، ووقفت عليها وقوفًا. [1] وترجم لها يوسف سبط ابن الجوزي بقوله:"كانت كريمة صالحة، كثيرة الصدقات والصلوات، عمرت الربط والمساجد والجسر ببغداد وتصدقت بأموال كثيرة على العلماء والفقراء .." [2] .

ولقد حرصت هذه السيدة المحسنة على اختيار أفضل العلماء ليدرس في مدرستها، فكان ان اختارت اولًا أبا جعفر ابن الصباغ، ثم ما لبثت بعد أيام ان سلمت المدرسة الى اشهر علماء بغداد في عصره، الفقيه المفسر المؤرخ، عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي (510 - 597 هـ/1116 - 1200 م) مما دل على ثقافتها ورعايتها المباشرة لشؤون المؤسسة التي أنشأتها. وبتولي هذا العالم شؤون التدريس، جرى افتتاح المدرسة بصورة رسمية، وكان ذلك في 15 شعبان من سنة 570 هـ/1175 م. ولقد أرخ ابن الجوزي نفسه هذه المناسبة بقوله"وتقدم الى يوم الخميس المذكور بذكر الدرس فيها، فحضر قاضي القضاة ابو الحسن بن علي الدامغاني، وحاجب الباب، وفقهاء بغداد، وخلعت علي خلعة، وخرج الدعاة بين يدي والخدم، ووقف أهل بغداد من باب النوبي إلى باب المدرسة كما يكون في العيد وأكثر، وكان على باب المدرسة ألوف، والزحام على الباب، فلما جلستُ لإلقاء الدرس، عرض كتاب الوقف على قاضي القضاة، وهو حاضر مع الجماعة، فقرئ عليهم، وحكم به وانفذه، وذكرت بعد الدرس فألقيت يومئذ دروسًا كثيرة في الأصول والفروع، وكان يومًا مشهودًا لم يُرَ مثله" [3] .

ومن الذين زاروا هذه المدرسة، وشاهدوا معالمها، والتقوا بمدرسها واعجبوا بتدريسه، الرحالة الأندلسي ابن جبير، الذي وصل بغداد سنة 580 هـ/1185 م. قال واصفًا مجلس تدريسه"ومن أبهر آياته وأكبر معجزاته أنه يصعد المنبر ويبتدئ القراء بالقرآن وعددهم نيف على العشرين قارئًا، فينتزع الإثنان منهم او الثلاثة آية من القرآن يتلونها على نسق بتطريب وتشويق، فإذا فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية، ولا زالوا يتناوبون آيات من سور مختلفات الى ان يتكاملوا قراءة ... فإذا فرغوا أخذ هذا الامام الغريب الشأن في إيراد"

(1) جهات الأئمة الخلفاء من الحرائر والإماء ص 113.

(2) - سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان 8/ 510.

(3) المنتظم ج 10 ص 253

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت