خطبته عجلًا مبتدرًا، وإفراغ في الاسماع من ألفاظه دررًا، وانتظم أوائل الآيات المقروءات في اثناء خطبته، فقرأ وأتى بها على نسق القراء لها، لا مقدمًا ولا مؤخرًا، ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية منها .. ثم أنه بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ وآيات بينات من الذكر، طارت لها القلوب اشتياقًا، وذابت لها النفوس احتراقًا، الى أن علا الضجيج، وتردد بشهقاته النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح، كل يلقى ناصيته بيده، ويمسح على رأسه داعيًا له .. وفي أثناء مجلسه ذلك يبتدرون المسائل، وتطير اليه الرقاع فيجاوب اسرع من طرفة عين، وربما كان أكثر مجلسه الرائق من نتائج تلك المسائل" [1] ."
وتوفيت الواقفة في 29 ربيع الاول من سنة 598 هـ/كانون الاول 1201 م ودفنت في احتفال مهيب داخل تربة السيدة زمرد خاتون (القبة المنسوبة للسيدة زبيدة) المجاور لقبر معروف الكرخي في الجانب الغربي من بغداد [2] .
اما المدرسة فيبدو انها اندثرت في العصر المغولي [3] ولم نعد نقرأ عنها خبرًا.
من المدارس الفخمة في اواخر العصر العباسي، امرت بانشائها السيدة زمرد حاتون، ام الخليفة الناصر لدين الله، وزوجة الخليفة المستضيء بأمر الله، وهي التي اشتهرت بحبها لفعل الخير، وبكثرة منشآتها النافعة، ووفرة ماتقف عليها، وقد اشاد بذكرها المؤرخون فوصفها ابن الساعي بأنها"كانت كثيرة المعروف" [4] وترجم لها ابن قنيتو الاربلي فقال:"كانت من ارغب النساء في فعل الخير واكثرهن له فعلًا، ولها بر وافضال، فضلت به امثالها في الصدقات الجارية وعمارة المساجد والمشاهد والاربطة والمدارس وغير ذلك مما لا خفاء فيه عن نظر المتأمل [5] . ووصفها سبط ابن الجوزي بقوله:"كانت صالحة كثيرة المعروف والصدقات، دائمة البر والصلوات، متفقدة لأرباب البيوت. حجت وانفقت ثلاثمائة ألف دينار -على ما بلغني- كان معها نحو من الفي جمل، وتصدقت
(1) رحلة ابن جبير ص 176
(2) جهات الأئمة الخلفاء ص 113 وابن الساعي: الجامع المختصر في عيون التواريخ وأعين السير، تحقيق مصطفى جواد، ج 9 ص 89 وابن الأثير: الكامل ج 9 ص 258.
(3) كتابنا مدارس بغداد في العصر العباسي ص 192
(4) ابن الساعي: الجامع المختصر، ج 9 س 122.
(5) - سنبط بن قنيتو الاربلي: خلاصة الذهب المسبوك ص 280.