على اهل الحرمين، واصلحت البرك والمصانع، وعمرت التربة عند قبر معروف الكرخي والمدرسة التي الى جانبها وأوقفت عليها الاوقاف [1] .
وكان افتتاح مدرستها المذكورة في يوم الخميس التاسع عشر من شوال سنة 589 هـ/19 تشرين اول 1193 م، بعد ان اوكل امر التدريس بها الى ابرز علماء بغداد آنذاك، هو فخر الدين محمد بن ابي النوقاني،"وكان بارعًا في الفقه حسن الكلام" [2] ويقول يوسف سبط ابن الجوزي في حوادث تلك السنة:"وفيها فتحت المدرسة التي الى جانب تربة والدة الخليفة عند معروف الكرخي، وحضر ارباب الدولة وعمل سماط عظيم وسلمت الى النوقاني فدرس بها" [3] .
ولقد الحقت هذه السيدة الفاضلة بمدرستها دارًا لسكنى المدرس فيها، وحجرًا يقيم فيها جماعة من الطلبة، على نحو يشبه الاقسام الداخلية اليوم [4] ، وأجرت للجميع الرواتب الحسنة. وبلغ من عنايتها بها، وشدة اهتمامها بشؤونها، انها امرت ببناء قبة لها بجوارها، لتكون لها مدفنا فتجاورها ميتة كما عنيت بها في حياتها، وهي تلك القبة المخروطية العالية التي لما تزل قائمة في مقبرة الشيخ معروف الكرخي، والمعروفة خطأ بقبر الست زبيدة. وتدل تراجم مدرسي المدرسة على نوع المستوى العلمي الفائق الذي ارادته هذه السيدة لها، فجميعهم كان عالمًا، فاضلًا، واسع المعرفة، كثير التصانيف، معروفًا بالورع. كما تكشف ترجمة اخر المدرسين المعروفين لنا عن استمرار التدريس فيها حتى اوائل القرن التاسع الهجري (15 م) ولكن لا يستبعد استمراره بعد ذلك التاريخ ايضًا، دليلنا على ذلك وجود مبانيها قائمة بعد ان تحولت الى مسجد حتى سنة 1195 هـ/1380 م حين امر والي بغداد سليمان باشا الكبير (1193 - 1217 هـ/1780 - 1802 م) بنقضها واستعمال انقاضها في بناء سور بغداد الغربية، وقد وصف بناءها السيد محمود شكري الآلوسي، بوصفها مسجدًا بقوله:"كان واسعًا، رصين البناء قوي الاركان" [5] فكان هذا اخر وصف لها في تاريخها الطويل.
(1) سبط ابن الجوزي: مراة الزمان ج 8 ص 513.
(2) ابن الصابوني: تكملة إكمال الإكمال في الكنى والأسماء والألقاب، تحقيق مصطفى جواد ص 351.
الحوادث 207.
(3) مرآة الزمان ج 8 ص 422.
(4) مدارس بغداد ص 123
(5) مساجد بغداد واثارها ص 125