أنشأته السيدة زمرد خاتون زوجة الخليفة المستضيء بأمر الله (566 - 575 هـ/ 1170 - 1180 م) في موضع نزه من شرقي بغداد، إلى الجنوب قليلا من مبنى المدرسة المستنصرية، مُطل على شاطئ دجلة عند مشرعة عُرفت، عصر ذاك، بمشرعة المُزَمَّلات، والمزملات هي السقايات الموقوفة على الواردين من أبناء السبيل، وما زال مبنى هذا المسجد حتى يومنا هذا شامخًا بقبابه المعقودة على الطراز العباسي البديع، وبمئذنته المزججة الرشيقة التي تعود إلى عهد إنشائه، وتتميز هذه المئذنة بالآجر الأزرق المزجج الذي يزين أعلى قبتها، وقد نسب هذا المسجد أولًا إلى حظائر الشوك، أي أماكن حفظه وبيعه وقودًا، التي كانت بقربه، ثم عرف في العهود المتأخرة بجامع الصاغة بسبب انتقال الصيَّاغ إلى السوق الذي عند بابه، ثم بجامع الخفافين لتكاثر صناع الخفاف في هذا السوق في العهود التالية [1] . وقد وصف السيد محمد سعيد الراوي هذا الجامع بقوله"هو جامع وسط في السعة والكبر، له مصلى كبير مطل على نهر دجلة .. وعلى يمين هذا المصلى مصلى صغير بباب معقود، وفيه باب يؤدي إلى المصلى الكبير، وهو معد للشافهية، وفيه مئذنة واقعة غربي المصلى، وعلى يمين الداخل إلى صحن الجامع غرف تحتية إحداها مدرسة .. فيه مدرس وخطيب وإمام ومؤذن وخادم" [2] .
وكعادة هذه السيدة في الإشراف المباشر على شؤون مؤسساتها، اختارت بنفسها الشيخ عمر بن يوسف بن محمد بن نيروز البغدادي (541 - 611 هـ/ 1145 - 1214 م) [3] ليكون إمام مسجدها، وكان هذا شيخًا صالحًا كثير العبادة [4] "خيرًا ثقة" [5] على ما وصفه معاصروه.
(1) محمود شكري الآلوسي: مساجد بغداد وآثارها، بغداد 1345، ص 112 وعبد الحميد عبادة: العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع، بتحقيقنا، بغداد 2005، ص 341 - 345.ومحمد سعيد الراوي: خير الزاد في تاريخ مساجد وجوامع بغداد، بتحقيقنا، بغداد 2006، ص 95 - 100.
(2) خير الزاد ص 96 - 97.
(3) الذهبي: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام الطبقة 62، الترجمة 33.
(4) ابن الفوطي تلخيص مجمع الآداب في معجم الأسماء والألقاب، تحقيق مصطفى جواد ج 4/ 817
(5) مصطفى جواد: في التراث العربي 1/ 72 نقلًا عن تاريخ ذيل تاريخ بغداد.