وليس (الوقف) مجرد إيجاد مصادر ثابتة لتمويل مشاريع معينة، وإنما هو يتجاوز ذلك إلى إنشاء مؤسسات حقيقية تخدم المجتمع وتقدم النفع العام، فوقف أراضي زراعية ودكاكين، وخانات تجارية، ودور، في وقفية ما، يستلزم إدارة كفوءة وأمينة في آن واحد. ولقد سعى أصحاب الوقفيات إلى اختيار (متولين) تجتمع فيهم هاتين الصفتين لإدارة مشاريعهم من بعدهم، إلا أن سعة الوقف كان يستلزم دون ريب موظفين آخرين (ناظر، محاسب، ساعي، معقب ... الخ) وهو ما يعني تكوين مؤسسة فعلية، مستقلة في مصادر ثروتها تعمل من اجل تحقيق أهداف الواقف.
ولم يكن دور إدارات هذه المؤسسات قليلًا بأية حال، ففي المجالات التعليمية كان المتولي يمارس صلاحيات واسعة في اختيار المدرسين، واختبارهم، وفي عزلهم إن اقتضى الأمر ذلك، وفي قبول الطلبة، وتوفير الخدمات لهم، مما نص عليه الواقف. أما إدارة المشاريع المخصصة للخدمة الاجتماعية، مثل مساعدة الفقراء والأرامل والأيتام، فكان على المتولي أن يسعى لرعاية من يستحق العون بحسب المواصفات التي حددها الواقف، وتشمل تقديم الطعام، والكساء، وتخصيصات مالية أحيانًا.
وعلى الرغم من صعوبة إدارة مؤسسات كهذه، ودقتها فان المجتمع لم يَرَ بأسًا في أن تتولاها سيدات عُرفن بالكفاءة والأمانة، لذا فقد حفلت الوقفيات بأسماء نسائية بصفتهن (متوليات) لإدارة الوقف، وهو ما يعني أن عددًا كبيرًا من المؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية كانت تتولاها المرأة باستقلال تام، نظرًا لما يتمتع به الوقف نفسه من حصانة واستقلال، حتى أن المرء ليَحتار حقًا كيف استطاعت نساء في مثل تلك الظروف أن يتولين مؤسسات خدمية كثيرة الموارد، متنوعة المصادر، مختلفة الخدمات ولفترات غير قليلة من الزمن.
وتحتل بغداد نسبة عالية من مشاريع الخدمة العامة التي أنشأتها نساء فضليات على امتداد تاريخها الطويل وذلك على النحو الآتي: