وقال المبرد: (( الموضع الثاني: أن تكون منقطعة مما قبلها خبرًا كان أو استفهامًا، وذلك قولك فيما كان خبرًا: إنَّ هذا لزيد أم عمرو يا فتى، وذلك إذا نظرت إلى شخص فتوهمته زيدًا فقلتَ على ما سبق إليك، ثم أدركك الظن أنَّه عمرو، فانصرفت عن الأول فقلتَ: أم عمرو، مستفهمًا، فإنَّما هو إضراب عن الأول على معنى(بل) إلاَّ أنّ ما يقع بعد (بل) يقين، وما يقع بعد (أم) مظنون ومشكوك فيه )) [1]
وقال أيضًا: (( أعندك زيد أم عمرو، فإذا أردت: أيهما(يعني المتصلة) فهذا عربي حسن 000 فإن أردته أن تجريه على استفهامين قلتَ: أزيد عندك أم عندك عمرو يا فتى، استفهم أولًا عن زيد ثم أدركه الشك في عمرو، فأضرب عن زيد، ورجع إلى عمرو، فكأنَّه قال: أزيد عندك بل أعندك عمرو 000 و (أم) المنقطعة تقع بعد الاستفهام كموفعها بعد الخبر، ومن ذلك قولك: أزيد في الدار أم لا؟ ليس معنى هذا: أيُّهما، ولكنك استفهمتَ على أنَّك ظننت أنَّه في الدار، ثم أدركك الشك في أنَّه ليس فيها، فأضربتَ عن السؤال عن كونه فيها عن إصغارها منه 000 فأمَّا قول الأخطل:
كذبتكَ عينك أم رأيت بواسطٍ ... غَلَسَ الظلام من من الرَّباب خيالا
فيكون على ضربين: يجوز أن يكون: أكذبتك عينك، فحذف الالف، ويجوز أن يكون ابتدأ: كذبتك عينك، مخبرًا ثم أدركه الشك في أنَّه قد رأى فاستفهم مستثبتًا، وأمَّا ما حكى فرعون من قوله تعالى: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ {51} أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ) 000 وهذه (أم) المنقطعة؛ لأنَّه أدركه الشك في بصرهم، كالمسألة في قولك: أزيد في الدار أم لا )) [2]
وقد جعل المبرد (أم) منقطعة بناء على الشك الذي صرَّح به، وقد بينتُ بطلان القول المبني على الشك، والصحيح أنَّ (أم) عاطفة متصلة، قال الزجاج: (( قال سيبويه والخليل: عطف(أَنَا) بـ (أم) على قوله تعالى: (أَفَلا تُبْصِرُونَ) لأنَّ (أَمْ أَنَا خَيْرٌ) معناه: أم تبصرون، كأنَّه قال: أفلا تبصرون أم تبصرون )) [3] وقال العكبري: (( قوله:(أَمْ أَنَا خَيْرٌ) (أم)
(1) المقتضب 2/ 235.
(2) المقتضب 2/ 240 - 243.
(3) معاني القرآن وإعرابه 4/ 316.