لأنَّ المستخبر غير عالم إنَّما يتوقع الجواب فيعلم به، والله عز وجل منفي عنه ذلك، وإنَّما تخرج هذه الحروف في القرآن مخرج التوبيخ والتقرير، ولكنها لتكرير توبيخ بعد توبيخ عليهم، ألا تراه يقول عز وجل (أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( {فصلت: 40} وقد علم المستمعون كيف ذلك؛ ليزجرهم عن ركوب ما يؤدي إلى النار كقولك للرجل: السعادة أحب إليك أم الشقاء؛ ليوقفه أنَّه على خطأ، وعلى ما يصيره إلى الشقاء ومن ذلك قوله عز وجل:(أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) {الزمر: 60} كما قال (جرير من الوافر) :
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
وأنت تعلم أنَّه لم يستفهم، ولكن قررهم بأنَّهم كذلك، وأنَّه قد ثبت لهم ذلك، فمجاز هذه الآيات، والله أعلم، أيقولون افتراه؟ على التوبيخ، وأنَّهم قالوا، فنبَّه الرسول والمسلمين على إفكهم، وترك خبرًا على خبر، لا على جهة الإضراب، ولكن على جهة تكرير خبر بعد خبر، كما يقع أمر بعد زجر، وأمر بعد أمر للترغيب والترهيب والله أعلم )) [1]
فالاستفهام في (أم) في هذه الآيات ليست للإضراب وإنَّما هي للتقرير كحال الاستفهام في بيت الشاعر جرير، وتأمَّل قول المبرد هنا في شواهد (أم) المنقطعة القرآنية (( وإنَّما تخرج هذه الحروف في القرآن مخرج التوبيخ والتقرير ) )وقد تقدم قوله في شواهد (أم) المتصلة القرآنية: (( فخرج هذا مخرج التوقيف والتوبيخ ) ) [2] فالغرض في الوجهين واحد، ووحدة غرضيهما في كتاب الله يُعدُّ من أقوى الأدلة على أنَّه ليس ثمة (أم) متصلة وأخرى منقطعة وأنَّهما (أم) واحدة اسفتهامية عاطفة لأحد الشيئين، وهذا هو الغرض من استعمالها في كل مواضع ورودها في القرآن الكريم.
شواهد (أم) المنقطعة في القرآن الكريم: كان صفوة ما تقدم تفصيله ما يأتي:
1 -لا يصح جعل (أم) المنقطعة كما اصطلحوا على تسميتها بمعنى بل وحدها؛ لأنَّ ما بعد (بل) محقق ويقين، وما بعد (أم) مشكوك فيه؛ لذلك فإنَّ جعلها بمعنى (بل)
(1) المقتضب 2/ 238 - 239.
(2) المقتضب 2/ 233.