الصفحة 107 من 298

قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) {البقرة: 132 - 133}

قيل إنَّ (أم) في قوله تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء) منقطعة بمعنى ألف الاستفهام أو بمعنى (بل) وحدها، أو بمعنى (بل) وألف الاستفهام بمعنى الإضراب الانتقالي لا الإبطالي، وقيل إنَّها عاطفة متصلة مردودة على همزة الاستفهام قبلها والتقدير: أكنتم غائبين أم كنتم شاهدين؟ أو أتَدَّعون على الأنبياء اليهودية أو النصرانية أم كنتم شهداء؟ أو التقدير: أي الأمرين وقع ذا أم ذا؟ [1]

وأيًّا كانت التسمية وأيًّا كان التقدير فالمعنى الأخير هو المعنى المراد في الآية، وهي على نحو ما قاله ابن عاشور، وإن عدَّها منقطعة بأنَّ (((أم) عاطفة جملة (كُنتُمْ شُهَدَاء) على (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ) فإنَّ (أم) من حروف العطف كيفما وقعتْ، وهي هنا منقطعة للانتقال من الخبر عن إبراهيم ويعقوب إلى مجادلة من اعتقدوا خلاف ذلك، ولما كانت (أم) يلازمها الاستفهام، فالاستفهام هنا غير حقيقي لظهور أنَّ عدم شهودهم احتضار يعقوب محقق، فتعيَّن أنَّ الاستفهام مجازي ومحمله على الإنكار؛ لأنَّه أشهر محامل الاستفهام المجازي )) [2]

إذا تبيَّن عند ابن عاشور أنَّ (أم) في الآية عاطفة وظهرت علاقة ما بعدها بما قبلها، فما الداعي بعد ذلك إلى تسميتها بالمنقطعة؟ أوليست هذه التسمية خلاف المعنى والتفسير الذي أكَّده ابن عاشور نفسه؟

فـ (أم) عاطفة متصلة عطفت مضمون ما جاء بعدها على مضمون ما جاء فبلها، وبها استفهِم عنهما لا لإرادة تعيين أحدهما، بل لإنكار المضمون البعدي والإقرار بالمضمون القبلي.

(1) ينظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة ص 34 - 35 وجامع البيان للطبري 1/ 650 والوسيط للواحدي 1/ 217 والكشاف للزمخشري 1/ 191 والمحرر الوجيز لابن عطية 1/ 213 - 214 وأنوار التنزيل للبيضاوي 1/ 107 والبحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 1/ 573 - 574 والدر المصون 2/ 127 - 128.

(2) التحرير والتنوير 1/ 710.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت