وهو في القرآن وفي كلام العرب كثير، أن يوجه الكلام إلى أحسن مذاهبه )) [1] وقال الأخفش: (( فليس هذا لأنَّه شك، ولكن هذا في كلام العرب على أنَّه هو المهتدي ) ) [2]
فـ (أو) في الآية على بابها موضوعة لأحد الشيئين على حد سواء، وهذا ظاهر من المعنى والتقدير، فقد جعلها الفراء فيما تقدم بمعنى: (( إنَّا لضالون أو مهتدون، وإنَّكم أيضًا لضالون أو مهتدون ) )وجعلها الزجاج بتقدير: (( وإنَّا لعلى هدى أو في ضلال مبين، أو إنَّكم لعلى هدى أو ضلال مبين ) ) [3] فقد استعمل (أو) لأنَّ المتكلم واثق من صدق مذهبه وبطلان مذهب المخاطَب، ويكون الخطاب باستعمال (أو) شبيه بالمباهلة، وفيه تعريض، ويُعدُّ من أدب الكلام وأجمل الأساليب في مخاطبة الخصوم وأهل الكفر والضلال.
3 -الإباحة كقوله تعالى: (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) قال سيبويه: (( وإن نفيت هذا قلت: لا تأكل خبزًا أو لحمًا أو تمرًا، كأنَّه قال: لا تأكل شيئًا من هذه الأشياء، ونظير ذلك قوله تعالى:(وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) أي: لا تطع أحدًا من هؤلاء )) [4]
وقال العكبري: (((أَوْ كَفُورًا) أو: ها هنا على بابها عند سيبويه وتفيد في النهي المنع من الجميع؛ لأنَّك إذا قلتَ في الإباحة: جالس الحسن أو ابن سيرين، كان التقدير: جالس أحدهما، فإذا نهى قال: لا تكلم زيدًا أو عمرًا، فالتقدير: لا تكلم أحدهما، فأيهما كلمه كان أحدهما، فيكون ممنوعًا منه، فكذلك في الآية )) [5] فـ (( أو) في النهي نقيضة (أو) في الإباحة؛ فيجب اجتناب الأمرين كقوله تعالى: (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) فلا يجوز فعل أحدهما، فلو جمع بينهما كان للمنهي عنه مرتين؛ لأن كل واحد منهما أحدهما )) [6] وقال ابن الجوزي: (( وترد للإباحة، تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي: جالس
(1) معاني القرآن 2/ 248، وينظر: جامع البيان 22/ 112 - 113.
(2) معاني القرآن ص 270.
(3) معاني القرآن وإعرابه 4/ 191.
(4) كتاب سيبويه 3/ 208.
(5) التبيان في إعراب القرآن 2/ 483.
(6) الإتقان في علوم القرآن ص 240.