بالأصل؛ ومن تمسك بالأصل استغنى عن إقامة الدليل؛ ومن عدل عن الأصل بقي مرتَهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليل لهم يدل على صحة ما ادعوه، وأمَّا الجواب عن كلمات الكوفيين، أمَّا احتجاجهم بقوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) فلا حجة لهم فيه، وذلك من وجهين، أحدهما: أن تكون للتخيير، والمعنى: أنَّهم إذا رآهم الرائي تحيَّر في أن يقدرهم: مئة ألف، أو يزيدون على ذلك، والوجه الثاني: أن تكون بمعنى الشك، والمعنى: أنَّ الرائي إذا رآهم شكَّ في عدتهم لكثرتهم، أي: أنَّ حالهم حال من يشك في عدتهم لكثرتهم، فالشك يرجع إلى الرائي، لا إلى الحق تعالى، كما قال الله تعالى: (فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) {البقرة: 175} بصيغة التعجب، والتعجب يرجع إلى المخاطبين لا إلى الله تعالى، أي: حالهم حال من يُتَعَجَّب منه؛ لأنَّ حقيقة التعجب في حق الله لا تتحقق )) [1]
8 -بمعنى (إلاَّ) : كقوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) وقوله تعالى: (لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)
قلت في بحث لي تحت عنوان: نواصب الفعل المضارع (( يتضح مما تقدم أنَّ(أو) لا ينصب بعدها الفعل المضارع إلاَّ إذا كانت بمعنى (حتى) أو (إلاَّ أن ) )) [2] وقد قلتُ بهذا هناك لأوكد أنَّ (أو) وغيرها لا تنصب المضارع بلفظها، ولا بإضمار (أن) بعدها، وإنَّما تنصبه بالمعنى الذي تحمله، وأنَّ أقرب المعاني الناصبة إليها هذان المعنيان، ومع ذلك فقد بينتُ هناك أنَّ (أو) الناصبة للفعل المضارع قد جاءت على بابها وفيما يأتي بعض ما قلته: (( ومن مواضع ورودها في القران الكريم قوله تعالى:(لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَآئِبِينَ {127} لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) {آل عمران: 127 - 128} ، وفي نصب المضارع في (أو يتوبَ) وجهان: إنْ شئت
(1) الإنصاف في مسائل الخلاف 2/ 16 - 20 مسألة 67.
(2) دراسات في النحو القرآني ص 62.