الصفحة 145 من 298

وما ربك ظلامًا للعبيد، لحذف معها معنى نفي الإلصاق بالظلم، وحل محله معنى استيعاب النفي للظلم واشتماله عليه، وتتضح هذه القضية في الباء التي عدوها زائدة للتوكيد في قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) فقد استعمل الباء في هذه الآية لمعنى الإلصاق؛ لتدل بهذا المعنى على قرب كفايته من عبده واتصالها به، ولو حذف الباء وقيل: أليس الله كافيًا عبده لغابت هذه الدلالة، ودلت الآية على أنَّ الاستفهام الإنكاري قد استوعب كفاية الله لعبده واشتمل عليها، فكأنَّ الآية باستعمال الباء تُعد خطابًا لمن ظنَّ أنَّ كفاية الله بعيدة عن عبده لبعد ذاته عنا؛ فاستعملت الباء لتدل على قربها منه، وكأنَّ الآية بحذف الباء تُعدُّ موجهة لمن ظن أنَّ كفاية الله محدودة وضيقة، والإنسان غالبًا ما يظنُّ ببعد الله عنه؛ لذلك كان الغالب في خبر (ما) و (ليس) ارتباطها بالباء.

وكذلك حال الباء التي قالوا بزيادتها في خبر (أنَّ) في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) {الأحقاف: 33} فاستعمل الباء ليعنى قرب الله من قدرته على إحياء الموتى، فكأنَّ الآية موجهة لمن ظن ببعدها، ولو حذفت لدلت الآية على شمول هذه القدرة ووسع دائرتها وتكون حينئذ موجهة لمن ظن أنَّها محدودة.

وقالوا بزيادة الباء في قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال الحلبي: (( في هذه الباء ثلاثة أوجه: أنَّها زائدة في المفعول به؛ لأنَّ(ألقى) يتعدى بنفسه 000 الثاني: أنَّها متعلقة بالفعل غير زائدة، والمفعول محذوف، تقديره: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم، ويكون معناها السبب 000 الثالث: أن يضمَّن (ألقى) معنى ما يتعدى بالباء فيُعدَّى تعديته، فيكون المفعول به في الحقيقة هو المجرور بالباء، تقديره: ولا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة 000 ويكون قد عبَّر بالأيدي عن الأنفس؛ لأنَّ بها البطش والحركة )) [1] (( والصحيح أنَّ معناه: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، إلاَّ أنَّه حذف المفعول استغناء عنه، وقصدًا إلى العموم؛ فإنَّه لا يجوز إلقاء أنفسهم ولا غيرهم إلى التهلكة ) ) [2]

وقالوا بزيادتها في المفعول به كما قالوا في قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلأكِلِينَ) والتقدير عندهم: تنبت الدهنَ، وهذا القول مردود لأنَّ

(1) الدر المصون 1/ 310 - 311 وينظر: التبيان 1/ 130.

(2) المفردات في غريب القرآن ص 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت