فيكون المعنى باستعمالها، أنَّ هزها الجذع كان بمباشرة منها، ولو قيل: هزي الجذع من دون الباء لأفاد هزّ الجذع بوجه ما من غير مباشرة، فلو لم يستعمل الباء لما تعيَّن أن يكون المراد هذا المعنى، وقد أريد تعيينه لجعله كرامة لمريم عليها السلام تحققت بمسكها الجذع بيدها
وقالوا بزيادتها في قوله تعالى: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) {الحج: 15} والباء هنا للإلصاق؛ لأنَّ الصعود إلى السماء لا يكون إلاَ بمسك السبب الذي هو الحبل، وقالوا بزيادتها في قوله تعالى: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) {الحج: 25} قال ابن يعيش: (( واللازم لمعناها الإلصاق، وهو تعليق الشيء بالشيء فمن ذلك قوله تعالى:(وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) فالمعنى: من يرد أمرًا من الأمور بإلحاد، أي: بميل عنه، ثم قال: (بِظُلْمٍ) فبيَّن أنّ ذلك الإلحاد الذي قد يكون بظلم وغير ظلم إذا وقع، هذا حكمه، فالباء الأولى على تقدير: عمل الشيء بالشيء، والثانية على تقدير: تخصيص الشيء بالشيء )) [1] فالباء للإلصاق، وجاء في الدر المصون: (( قوله:(وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ) فيه أربعة أوجه: أحدها: أنَّ مفعول (يُرِدْ) محذوف وقوله: (بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) حالان مترادفتان، والتقدير: ومن يرد فيه مرادًا ما عادلًا عن القصد ظالمًا، نذقه من عذاب أليم، وإنَّما حُذف ليتناول كل متناول، والثاني: أنَّ المفعول أيضًا محذوف تقديره: ومن يرد فيه تعدِّيًا، و (بِإِلْحَادٍ) حال، أي: ملتبسًا بإلحاد و (بِظُلْمٍ) بدل بإعادة الجار، الثالث: أن يكون (بِظُلْمٍ) متعلقًا بـ (يُرِدْ) والباء للسببية، أي: بسبب الظلم و (بِإِلْحَادٍ) مفعول به، والباء مزيدة فيه 000 ويؤيده قراءة الحسن: ومن يرد إلحاده بظلم الرابع: أن يُضمَّن (يُرِدْ) معنى يتلبَّس؛ فلذلك تعدَّى بالباء، أي: ومن يتلبَّس بإلحاد مريدًا له )) [2]
ولا حاجة للتضمين المذكور كما جاء في الوجه الرابع؛ لأنَّ معناه يتحقق بالإلصاق الذي تفيده الباء، ففي الإلصاق معنى الملابسة، والزيادة كما جاء في الوجه الثالث يراد منها التوكيد، والتوكيد يتحقق معناه أيضًا بمعنى الإلصاق، أمَّا قراءة الحسن فهي شاذة، ومن جهة أخرى فإنَّ الآية لم تقرَأ قراءة ثانية إلاَّ لإرادة معنى ثان، والغرض من ذلك الجمع
(1) شرح المفصل 4/ 474.