الصفحة 166 من 298

والباء هنا لا يصح أن تكون للعوض؛ لأنَّ العوض ليست (بِجَنَّتَيْهِمْ) المجرورة بل هي (جَنَّتَيْنِ) المنصوبة، كما أنَّ الخارج من الجنتين جاء من إلصاق التبديل بها، أمَّا العوض فقد جاء من دلالة قوله (وَبَدَّلْنَاهُم)

وجعلوها بمعنى العوض والمقابلة في قوله تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) {النحل: 32} والمقابلة التي قيل بها هنا هي أيضًا متأتية من معنى الإلصاق، لأنَّ فيه ربط شيء بشيء وجعل شيء جزاءً لشيء يقابله، وإذا قيل بأنَّ جزاء الله الذي هو الجنة لا يمكن أن يقابله عمل، إلاَّ أنَّ الله سبحانه جعل جزاءه العظيم يكون بعمل الإنسان لوسع رحمته وفضله.

10 -جعل الباء للاستعلاء بمعنى (على) : جعلوا من شواهد الباء التي بمعنى (على) قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) آل عمران: 75 فالباء في قوله تعالى: (إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ) وقوله تعالى: (إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ) بمعنى (على) بدلالة استعمالها في قوله تعالى: (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) {يوسف: 64} قال الدكتور فاضل السامرائي: (( والحق أنَّ المعنى مختلف فقولك: أمنته به، مختلف عن قولك: أمنته عليه، فقولك: لا آمنه عليك، معناه: لا آمنه أن يحيف عليك، أو أن يهجم عليك، أو يتعدى عليك، وما إلى ذلك، ففيه معنى الاستعلاء والتسلط والعدوان، وأمَّا قولك: لا آمنه بدرهم، فمعناه: لا آمنه من أن يتصرف به، أو يعبث به؛ لأنَّ(على) تفيد الاستعلاء، والباء تفيد الإلصاق، والمعنى أنَّه لا يلتصق أمنه بدرهم، بل ستفارقه أمانته ويتصرف به، فأمنه عليه تستعمل للهجوم والاعتداء، وأمنه به تستعمل للتصرف كما ذكرنا، تقول: لا آمن عليك الذئاب، ولا آمن عليك غوائل الطريق، ولا تقول: لا آمن بك الذئاب )) [1]

(1) معاني النحو 3/ 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت