11 -جعل الباء للغاية بمعنى (إلى) : كقوله تعالى: (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي) {يوسف: 100} والمعنى عندهم: وقد أحسن إليَّ، قال الزركشي: (( وكما في قوله تعالى:(وَقَدْ أَحْسَنَ بَي) فإنَّه يقال: أحسن بي وإليَّ وهي مختلفة المعاني، وأليقها بيوسف عليه السلام (بي) لأنَّه إحسان درج فيه دون أن يقصد الغاية التي صار إليها )) [1] وقال الدكتور فاضل السامرائي: (( وثمة فرق بين: أحسن إليه، وأحسن بي، فإنَّ معنى: أحسن إليه، قدَّم إليه إحسانًا، أو صنع له إحسانًا، أمَّا: أحسن به، فمعناه: وضع إحسانه به، ومن ذلك أنَّك تقول: أحسنتُ بهذا الأمر، وأحسنتُ بعملك، أي: ألصقتَ إحسانك بعمله ووضعته به، ولا تقول: أحسنتُ إلى عملك، ولا أحسنتُ إلى هذا الأمر، إلاَّ على معنى آخر، وهو أنَّك قدمتَ إليه إحسانًا، وهو معنى مجازي، فإنَّ الإحسان في: أحسنَ به، ألصق؛ إذ إنَّ فيه معنى الرعاية واللطف، قال تعالى:(وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) {القصص: 77} وقال على لسان سيدنا يوسف عليه السلام، (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي) ففي الثانية إحسان خاص يختلف عن الأول، فإنَّ الأولى في عموم الخلق، وإحسان الله إلى الخلق إحسان عام يشترك فيه سيدنا يوسف عليه السلام وبقية الخلق، أمَّا قوله تعالى: (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي) فإنَّ فيه إحسانًا خاصًّا ألصق من الأول؛ إذ أخرجه من السجن وبوَّأه مكانة عالية، وجاء إليه بأهله وما إلى ذلك من العناية الربانية واللطف )) [2]
12 -جعل الباء بمعنى الاستعانة: قالوا بمجيء الباء للاستعانة كقولك: كتبتُ بالقلم، أي: استعنتُ بالقلم للكتابة، بل هي للإلصاق فقد أُريد إلصاق الكتابة بالقلم بمعنى ربطها به فصار القلم بهذا الربط وسيلة أو واسطة أو معينًا لك في الكتابة، ومن البديهي أنَّ الكتابة ومن يكتب لا تحصل في كل وقت إلاَّ بقلم فتكون الكتابة والكاتب والقلم عناصر متصاحبة لا تفترق عن بعضها إذا أريد للكتابة أن تكون؛ لذلك أمكن أن تعد الباء للمصاحبة أو حالية، وجعلوا من شواهدهم القرآنية في ذلك قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) {البقرة: 45} وجميع المعاني المذكورة في المثال يمكن القول بها في الشاهد القرآني، والدليل على ذلك ما جاء في الدر المصون: (( قوله تعالى:
(1) البرهان ص 798.
(2) معاني النحو 3/ 23.