الصفحة 179 من 298

قوله تعالى: (وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) والتقدير عندهم: لتكبروا الله لما هداكم، ولو أراد الله سبحانه معنى لام العلة كما زعموا لقال كما قدَّروا، فيا ويلهم لِمّ يُقَوِّلون الله جل وعلا ما لم يقله؟! قال الزمخشري: (( وإنَّما عدَّى فعل التكبير بحرف الاستعلاء(على) لكونه مضمَّنًا معنى الحمد كأنَّه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم )) [1] والصحيح أن يقال إنَّه عدَّاه بـ (على) لأنَّه أراد معناه لا لأنَّه ضمَّن التكبير معنى الحمد، وقد تكلمتُ على التضمين ومهازله في كتابي: النصب على نزع الخافض والتضمين من بدع النحاة والمفسرين، فلا حاجة إليه، بل هو قول باطل، وكأنَّ الزمخشري والنحاة عزموا على تحريف دلالة التركيب القرآني في الشاهد المذكور ونحوه، إمَّا دلالة الفعل أو دلالة الحرف، ويبدو أنَّ أبا حيان الأندلسي عقَّب على كلام الزمخشري بكلام أحسن فقال بعد أن نقل كلامه: (( وقوله: كأنَّه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم، هو تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ إذ لو كان تفسير إعراب لم تكن(على) متعلقًا بـ (( وَلِتُكَبِّرُوا) المضمنة معنى الحمد، إنَّما كانت تكون متعلقة بـ (حامدين) التي قدَّرها، والتقدير الإعرابي هو أن تقول: كأنَّه قيل: ولتحمدوا الله بالتكبير على ما هداكم، كما قدَّر الناس في قولهم: قتل الله زيادًا عني، أي: صرف الله زيادًا عني بالقتل، وفي قول الشاعر (كعب بن زهير) :

ويركب يوم الرَّوع فينا فوارسٌ بصيرون في طعن الأباهر والكُلى

أي: يحكمون بالبصيرة في طعن الأباهر )) [2]

فتعدي التكبير إلى مفعوله بـ (على) لم يأت من تضمينه معنى الحمد، وإنَّما هو متأتٍّ من حذف ما يمكن الاستغناء عنه، أو من حذف ما لا يخل بالمعنى المراد، فهناك إذن إيجاز في التعبير القرآني، ولغة القرآن الكريم تميَّزت كثيرًا بهذا النوع من الإيجاز البليغ.

وكذلك جعلوا (على) بمعنى لام العلة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) {المائدة:54} وقد تناولتُ هذا الشاهد القرآني بالدراسة في كتابي: النصب على نزع الخافض، وفيما يأتي نص ما قلته هناك: (( قال الزركشي في باب التضمين: (( فإنَّه يقال:

(1) الكشاف 1/ 226.

(2) البحر المحيط 2/ 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت