الصفحة 180 من 298

ذل له، لا عليه؛ ولكنَّه هنا ضُمِّن معى التعطف والتحنن )) [1] قال: (( فإنَّه يقال: ذل له، لا عليه ) )يعني يقال هذا بين الناس، لكن الله قد قال: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) فلماذا يُعتدّ بكلام الناس، ولا يعتد بكلام رب الناس؟! والحقيقة أنَّه ليس في الآية تضمين؛ ولو أراده لجاء بلفظه، وقيل: عاطفين عليهم، أو حانِّين عليهم، وإنَّما أراد من قوله: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ما يدل عليه هذا اللفظ من غير تضمين؛ وهذا ما أفصح عنه المفسرون أنفسهم القائلون بهذ التضمين. فقد قال الزجاج: (( أي: جانبهم ليِّن على المؤمنين، ليس أنَّهم أذلاء مهانون ) ) [2] وقال ابن عطية: (( معناه: متذللين من قبل أنفسهم، غير متكبرين ) ) [3] وقال البيضاوي: (( عاطفين عليهم متذللين 000 واستعماله مع(على) إمَّا لتضمنه معنى العطف والحنو، أو للتنبيه على أنَّهم مع علو ِّ طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خاضعون لهم )) [4] وقال أبو حيان: (( وعدِّي بـ(على) ، وإن كان الأصل باللام؛ لأنَّه ضمَّنه معنى الحنو والعطف كأنَّه قال: عاطفين على المؤمنين، على وجه التذلل والتواضع )) [5]

تأمَّل قول أبي حيان، أنَّه ما الحاجة إلى هذا التضمين الذي ادعاه، بعد أن أبقى لقوله: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) دلالته التي جعلها بمعنى: التذلل والتواضع، فما انتهى إليه كلام أبي حيان، هو االتفسير الصحيح الذي أبطل به قوله بالتضمين من حيث لم يشعر، وجاء في روح المعاني للآلوسي: (( يعني أنَّ كونهم أذلة، ليس لأجل كونهم أذلاء في أنفسهم؛ بل لإرادة أن يضموا إلى علو منصبهم وشرفهم فضيلة التواضع ) ) [6]

(1) البرهان: ص 655.

(2) معاني القرآن وإعرابه: 2/ 148.

(3) المحرر: 2/ 208.

(4) أنوار التنزيل: 2/ 132.

(5) البحر المحيط: 3/ 703، وينظر: الدر المصون 4/ 309.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت