الصفحة 181 من 298

فهذا المعنى الذي ذكره المفسرون، لو أُريد التعبير عنه بأبلغ عبارة وأوجزها وأفصحها وأدقها، فهل يمكن أن يكون غير قوله تعالى: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)

نستنتج مما مرَّ ذكره أنَّه كما يقال: ذلَّ له، يقال أيضًا: ذلَّ عليه،، كما هو الحال في (رغب) يقال: رغب في كذا، ويقال: رغب عن كذا، وكلُّ في موضعه وسياقه وحسب المعنى المقصود، فالذل في القول الأول، هو ذل خضوع واستكانة، ولا يصدر من صاحبه إلاَّ كرهًا، وبرغم أنفه، والذل في القول الثاني، يجيء طوعًا؛ لأنَّه ذل يبتغي به صاحبه التواضع، وخفض الجناح لإخوانه المؤمنين ابتغاء مرضاة الله، فالفرق بين الذلين واضح، ومن الضروري جدَّا في هذا المقام أن أشير إلى قضية مهمة، لم ينتبه عليها النحاة والمفسرون، وهي أنَّ شيوع تركيب معيَّن، إنما يأتي من شيوع معناه الذي يتطلب التعبير عنه بهذا التركيب، فإذا أُريد التعبير عن معنى آخر غير شائع، وجب التعبير عنه بتركيب آخر يوافق هذا المعنى، وإن ندر استعمال هذا التركيب، وقد تكون ثمة معان استعملها القرآن الكريم، لكنه لم يستعملها العرب في شعرهم، ولا في نثرهم؛ لذلك ورد هذا التركيب في كلام الله، ولم يرد في كلامهم، ومن المعاني التي لم يتطرق إليها إلاَّ القرآن الكريم؛ مما اقتضى أن يكون التركيب المعبِّر عنه، لم يرد إلاَّ في كتاب الله، هو قول الله تعالى الذي تقدم دراسة مدلوله: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)

وينبغي هنا استعمال طريق التفسير لا طريق التضمين، فمن المعروف أن التفسير يذكر المعنى المراد من غير تضمين، وهذا أمر مقبول، لأن القصد منه فهم المعنى، لا إلباس اللفظ دلالة تعدل دلالته الأصلية، أو تحل محلها، فالمراد من قوله تعالى: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) الذل نفسه بلفظه ومعناه المعجمي، بأنَّه يدل على الخضوع والاستكانة واللين، أي: ما كان ضد (العز) [1] إلاَّ أنَّ القرآن الكريم ببلاغة تراكيبه وأساليبه رسم منه ومن قوله: (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) صورة جميلة مؤلفة من ضدين؛ لكنهما ظهرا في التعبير القرآني متآلفين متعانقين؛ على خلاف ما عُرِف عنهما في كلام البشر؛ إذ جعلهما كقطبين، وإن تنافرا من جانب، تجاذبا من جانب آخر، فقد استعمل القرآن لفظ الذل بدلالته، ومن أجل أن يبيِّن بأنَّ هذا الذي اتصفت به الصفوة المختارة، قد جاء منهم طوعًا لا كرهًا، عدَّاه بـ (على) ، ثم وصف

(1) ينظر: مقاييس اللغة ص 316.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت