المطلوب والمقصود من هذا الاستفهام لإقامة الحجة على النصارى بأنَّه لم يأمرهم بما زعموه [1] فهذا الاستفهام هو استفهام، بمعنى أنَّه سؤال وُجِّه إلى عيسى عليه السلام.
4 -التوبيخ: وقالوا بمجيئها بمعنى التوبيخ في قوله تعالى: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ {18} وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ {19} قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) {الشعراء: 18 - 20} والغرض من الاستفهام حمله على نفي ما جاء بعد الهمزة، أي: الإقرار بهذه التربية، وبأن يكون جوابه عنه بقوله: بلى، والتوبيخ إن صح هو معنى السياق وحسبما فهمه القائل به، لأنَّه كما جاز أن يكون بمعنى التوبيخ جاز أن يكون بمعنى التذكير، أو معنى التهكم، ولِمَ لا يكون هذا السياق بمعنى المنِّ عليه، وهذا ما جاء في التفسير [2] والدليل على استفهامية الهمزة أنَّ موسى عليه السلام أجاب عنه ضمنًا في قوله: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) وكأنَّه قال في نفسه: بلى.
5 -التذكير: وقالوا بمجيئها بمعنى التذكير في قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) {الضحى: 6} ومعنى التذكير إن صح معنى السياق كما فهمه القائل به؛ لذلك جاز أن يقول آخر إنَّ (( المقصود امتنان على النبي صلى الله عليه وسلم 000 والاستفهام تقريري ) ) [3] أي: ليكون الجواب: بلى يا رب
6 -التهديد: وقالوا بمجيئها بمعنى التهديد، في قوله تعالى: (أَلَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ {16} ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الأخِرِينَ {17} كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ {18} وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) {المرسلات: 16 - 19} [4] والتهديد معنى السياق كما ترى، وليس معنى الهمزة، وجعل الهمزة بمعنى التهديد من تسليط معنى السياق عليها يُعدُّ إفراغًا لمحتواها من معناها الحقيقي ومن غرض استعمالها، وفي ذلك إبطال للمعاني وضياعها؛ لأنَّ معنى السياق يشملها ويشمل كل حرف اشترك معها في التركيب، فكما جاز مثلًا أن نجعل الهمزة بمعنى التهديد بحجة السياق، جاز أيضًا أن نجعل (ثُمَّ) في قوله تعالى: (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الأخِرِينَ) بمعنى التهديد؛ لأنَّها ضمن السياق نفسه، والحجة واحدة، فإذا رُفض هذا المعنى في (ثُمَّ) يجب أن
(1) ينظر: روح المعاني 4/ 62 والتحرير والتنوير 5/ 270.
(2) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 13/ 76.
(3) التحرير والتنوير 30/ 352.
(4) ينظر: الجنى الداني ص 33.