يُرفض في الهمزة، والجدير بالذكر أنِّي رجعتُ إلى كتب معاني القرآن وإعرابه وتفسيره بدءًا بتفسير مقاتل وانتهاءً بتفسير ابن عاشور، فلم أجد أحدًا منهم من أشار إلى أنَّ الهمزة في قوله تعالى: (أَلَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ) تفيد معنى التهديد، بل قال ابن عاشور: (( والاستفهام للتقرير ) ) [1] أي: حمل المخاطبين على أن يقولوا في أنفسهم: بلى يا ربُّ
7 -التنبيه: وقالوا بمجيئها بمعنى التنبيه في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء) {الحج: 63} وهو معنى السياق وليس معنى الهمزة، قال سيبويه: (( وسألته(يعني: سألتُ الخليل) عن قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء) فقال: هذا واجب، وهو تنبيه، كأنَّك قلتَ: أتسمعُ؟ أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا )) [2] وقوله: (هذا واجب) يعنى أنَّ جوابه: بلى، وهذا هو التقرير، وهو المراد من الاستفهام المجازي كما اصطلح عليه أهل اللغة، وقال الفراء: (( لأنَّ المعنى في(أَلَمْ تَرَ) معناه خبر، كأنَّك قلتَ في الكلام: اعلم أنَّ الله أنزل من السماء ماء )) [3] فلأنَّ السياق واد فسيح تجول فيه الأفكار احتمل أن يُختَلف في تحديد معناه، ويذكر اللغوي والمفسر المعنى الذي يخطر بباله ويتبادر إلى ذهنه قبل غيره
8 -الاستبطاء: وكذلك معنى الاستبطاء الذي قالوا به في قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) {الحديد: 16} هو معنى السياق، بل هو متأتٍّ من لفظ (يَأْنِ) الذي يدل على معنى الحين، والمعنى ألم يحِن: (( أي: ألم يقرب خشوع قلوبهم ) ) [4] وجاء في التفسير ما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنهما: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلاَّ أربع سنين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وعن الحسن
(1) التحرير والتنوير 29/ 396.
(2) كتاب سيبويه 3/ 41 - 42.
(3) معاني القرآن 2/ 134.
(4) الدر المصون 10/ 246.