الصفحة 188 من 298

؛ لأنَّه حق عليه، فإذا قال: اكتلتُ عليك، فكأنَّه قال: أخذتُ ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك، فهو كقولك: اسوفيتُ منك )) [1] فقوله تعالى إذن: (اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) ليس بمعنى: اكتالوا من الناس، كما ادعى في بدء كلامه، وقال الزمخشري: (( لمَّا كان اكتيالهم من الناس اكتيالًا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل(على) مكان (مِن) للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق (على) بـ (يَسْتَوْفُونَ) ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أي: يستوفون على الناس خاصة، فأمَّا أنفسهم فيستوفون لها )) [2] وتعدي (اكتال) إلى مفعوله بـ (على) اقتضاه تعدي (كال) إلى مفعوله بنفسه؛ لأنَّ المعنى: أنَّ هؤلاء المطففين، إذا اكتالوا على الناس يستوفون، أي: أخذوا ما لهم من حق على من اشتروا منهم، من الكيل والوزن وافرًا حسبما يريدون، لكنَّهم إذا كالوهم، أو وزنوهم، بمعنى: باعوا لهم أنقصوا لهم الكيل والوزن، كقولك: يأخذ حقَّه من الناس تامًّا، ويعطيهم حقَّهم ناقصًا، وهي عبارة شائعة في الذم [3]

فتأمَّل أنَّ في جعل (على) بمعنى (مِن) مأخذين: الأول: تحريف دلالة التركيب القرآني، والثاني: إلغاء وطمس ما في هذا التركيب من بلاغة تتمثل في حسن التعبير عن المعنى المراد المطابق للواقع بدقة، وهذا ما حصل ويحصل في كل حرف زعم النحاة أنَّه جاء بمعنى حرف كذا وكذا.

6 -جعلها بمعنى (عند) : جعل ابن قتيبة والهروي والزركشي (على) بمعنى (عند) في قوله تعالى: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ) {الشعراء: 14}

لماذا؟! ما المسوغ الدلالي واللغوي اللذان سوغا هذا الاستبدال؟! بل (على) هنا وفي كل موضع لم ترد إلاَّ بمعناها؛ لأنَّه أراد معنى ما استحق عليه أن يقضية، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنَّه لما قال: (وَلَهُمْ) ناسب أن يقول: (عليَّ) أي: أنَّ الذنب الذي ارتكبه

(1) معاني القرآن 3/ 134.

(2) الكشاف 4/ 706.

(3) ينظر: روح المعاني للآلوسي 15/ 275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت