الصفحة 190 من 298

تبعية شبّه تمسك المتقين بالهدى باستعلاء الراكب على مركوبه في التمكن والاستقرار، فاستعير له الحرف الموضوع للاستعلاء، كما شُبِّه المصلوب على الجذع باستقرار المظروف من الظرف بجامع الثبات، فاستعير له الحرف الموضوع للظرفية )) [1] وقال ابن عاشور: (( واستعيرت(على) استعارة تبعية أو تمثيلية للتمكن من النور، كما استعيرت في قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) {البقرة: 5} )) [2]

وكذلك جعلها بمعنى اللام في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) {القلم: 4} والتقدير عنده: وإنَّك لك الخلق العظيم، ومن الواضح جدًّا أنَّه استعمل (على) لأنَّه أراد معنى الاستعلاء المجازي، قال ابن عاشور: (((على) للاستعلاء المجازي المراد به التمكن كقوله تعالى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) {النمل: 79} 000 وفي حديث عائشة: أنَّها سُئلت عن خلق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن الكريم 000 وبهذا يزداد وضوحًا معنى التمكن الذي أفاده حرف الاستعلاء في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) فهو متمكن منه الخلق العظيم في نفسه، ومتمكن منه في دعوته )) [3]

الوجه الثاني: جعل (على) بمعنى الإلزام في قوله تعالى: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) {التوبة:91} والتقدير عنده: لا يلزمهم الإثم ولا يلحق بهم، والإلزام لا يصح عده وجهًا لأنَّه يعد من معنى الإيجاب والاستحقاق التي تفيده (على)

الوجه الثالث: جعل (على) بمعنى (مِن) في قوله تعالى: (وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) رالنحل: 9 والتقدير عنده: ومنه قصد السبيل، والصحيح أنَّ (على) على بابها، وقد تقدم أنَّ إضافة (على) إلى الله ليست للإيجاب والاستحقاق، وإنَّما لتأكيد تفضله على عباده، أو لتأكيد المجازاة وتأكيد وقوعه

الوجه الرابع: جعلها بمعنى الباء في قوله تعالى: (وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) {المائدة: 23} وقد تقدم نحوه، فهي بمعنى الإضافة والإسناد، أي: أضيفوا توكلكم

(1) الكليات ص 529 - 530.

(2) التحرير والتنوير 24/ 63.

(3) التحرير والتنوير 29/ 60 - 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت