وأسندوه إليه [1] فـ (على) هنا على بابها إلاَّ أنَّها كما تقدم لم تفد معنى الاستعلاء والاستحقاق، وإنَّما لتأكيد تفضله على عباده، أو لتأكيد المجازاة وتأكيد وقوعه.
الوجه الخامس: جعل (على) تفيد معنى الشرط في قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) {القصص: 27} والتقدير عنده: بشرط أن تأجرني، والشرط لا يصح أيضًا عده وجهًا؛ لأنَّه من معنى الإيجاب والاستحقاق الذي تفيده (على) .
وقال ابن الجوزي: (( و(على) في القرآن على خمسة أوجه: أحدها بمعنى (فوق) والثاني: بمعنى الشرط، والثالث: بمعنى الضمان والالتزام، والرابع: بمعنى (مِن) ، والخامس: بمعنى (في ) )) [2]
وقد استشهد للأوجه الأربعة الأخيرة بنفس ما استشهد به الدامغاني والنحاة من قبله، فقد مرت هذه الأوجه جميعها بشواهدها إلاَّ الوجه الأول الذي جعل فيه (على) بمعنى (فوق) في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) {طه: 5} وقد جاء استواء الله تعالى على العرش في القرآن الكريم في سبعة مواضع، منها الشاهد المذكور، وقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) {الأعراف: 54} وقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) {يونس: 3} وقوله تعالى: (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) {الرعد: 3} وقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) {الفرقان: 59} وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) {السجدة: 4} وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) {الحديد: 4}
وقد جعل المالقي (على) للاستعلاء المجازي في قوله تعالى: (علَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (( أي: قهر العرش فما دونه باستيلاء حكمه عليه ومنه قول الشاعر:
قد استوى بِشْرٌ على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق
(1) ينظر: البرهان ص 846.
(2) نزهة الأعين النواظر ص 204 - 205 ومنتخب قرة العيون ص 177 - 178.