بـ (عن) كأنَّه قيل: أنَبْتُ حب الخير عن ذكر ربي، أو جعلتُ حب الخير مجزيًا أو مغنيًا عن ذكر ربي، وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان أنَّ (أَحْبَبْتُ) بمعنى: لزمتُ من قوله: مِثْلُ بعير السُّوء إذ أحَبَّا، وليس بذاك، والخير: المال، كقوله تعالى: (إِن تَرَكَ خَيْرًا) {البقرة: 180} وقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) {العاديات: 8} والمال: الخيل التي شغلته )) [1] وابن هشام نفسه الذي قال بهذا الوجه قال فيه: (( وقيل: هي على بابها وتعلقها بحال محذوفة، أي: منصرفًا عن ذكر ربي، وحكى الرماني عن أبي عبيدة أنَّ(أحْبَبْتُ) من أحبَّ البعير إحبابًا: إذا برك فلم يَثُر 000 أي: تثبطتُ عن ذكر ربي )) [2] أو: تقاعدت عن ذكر ربي [3]
(( فال المفسرون: ولم تزل(يعني الخيل) تُعرض عليه إلى أن غابت الشمس ففاتته صلاة العصر، قاله علي وابن مسعود وقتادة، وقال الزجاج: لا أدري هل كانت صلاة العصر مفروضة أم لا؟ إلاَّ أنَّ اعتراضه الخيل شغله عن وقت كان يذكر الله فيه 000 قوله تعالى: (رُدُّوهَا عَلَيَّ) قال المفسرون: لمَّا شغله عرض الخيل عليه عن الصلاة فصلاها بعد خروج وقتها اغتم وغضب )) [4] فالمعنى إذن أنَّ حبه الشديد للمال الذي قصد به الخيل شغله عن ذكر ربه، أو صرفه عنه، وهذا المعنى وهذا التفسير يقتضي استعمال (عن) لا (على)
وكذلك قالوا إنَها بمعنى (على) في قوله تعالى: (وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ) {محمد: 38} والتقدير: يبخل على نفسه، ولا معنى لهذا الوجه لجواز تعدي (بخل) بهذين الحرفين، قال الزمخشري: (((يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ) يقال: بخلتُ عليه وعنه، وكذلك: ضننتُ عليه وعنه )) [5] وقال الحلبي: (( قوله:(يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ) بخل وضنَّ يتعديان بـ (على) تارة وبـ (عن) أخرى )) [6]
(1) الكشاف: 4/ 89 وينظر: أنوار التنزيل للبيضاوي 4/ 29.
(2) مغني اللبيب 1/ 147.
(3) ينظر: أنوار التنزيل 4/ 29.
(4) مغني اللبيب 1/ 147.
(5) الكشاف 4/ 322.
(6) الدر المصون 9/ 708.