وقال الدكتور فاضل السامرائي: (( وذلك أنَّ ثمة فرقًا بين قولك: يبخل على نفسه، ويبخل عن نفسه، فقولك: يبخل على نفسه، معناه أنَّ عاقبة بخله تعود عليه 000 ويحتمل معنى آخر، هو أنَّه لا ينفق على نفسه، أي: يثقلها بالبخل، فكأنَّ البخل حمل يعلوه، وأمَّا بخله عن نفسه، فمعناه: أنَّه يبخل منصرفًا عن نفسه، أي: منصرفًا عن مصلحة نفسه مبتعدًا عنها؛ فإنَّ البخل في الحقيقة ابتعاد عن مصلحة النفس، فكأنَّه يبتعد عن نفسه بالبخل، بخلاف الإنفاق فإنَّه لها ) ) [1]
5 -جعلها بمعنى (مِن) : وجعلوا من شواهد ذلك قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) {الشورى: 25} وذكر ابن هشام والزركشي والسيوطي وابن عقيلة المكي أنَّ (عن) بمعنى (مِن) في قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ) الأحقاف: 16 بدلالة قوله تعالى: (فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ) {المائدة: 27} [2] ما كان ينبغي لابن هشام ومن تبعه أن يدَّعوا بأنَّ (عن) بمعنى (من) بدلالة ما ذكروه، وكان الإجدر بهم أن يذكروا الفرق في الدلالة بين هذين الحرفين ثم يبينوا سر استعمال (عن) من دون (مِن) في سورة الأحقاف، وسر استعمال (مِن) من دون (عن) في سورة المائدة، قال أبو عبيدة: في قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) {التوبة: 104} (( أي: من عبيده، كقولك: أخذته منك وأخذته عنك ) ) [3] وقال الزمخشري في تفسير الشاهد الذي في سورة الشورى: (( يقال: قبلتُ منه الشيء، وقبلته عنه، فمعنى: قبلتُه منه: أخذتُه منه وجعلتُه مبدأ قبولي ومنشأه، ومعنى: قبلتُه عنه: عزلتُه عنه وأبنتُه عنه ) ) [4] وقال ابن عاشور: (( وفعل(قبل) يتعدى بـ (مِن) الابتدائية تارة كما في قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) {التوبة: 54} وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ
(1) معاني النحو 3/ 48.
(2) ينظر: مغني اللبيب 1/ 148 والبرهان ص 848 والإتقان ص 351 والزيادة والإحسان 8/ 107 - 108.
(3) مجاز القرآن ص 105.
(4) الكشاف 4/ 216.