أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) {آل عمران: 91} فيفيد معنى الأخذ للشيء المقبول صادرًا من المأخوذ منه، ويعدى بـ (عن) فيفيد معنى مجاوزة المقبول، أو انفصاله عن معطيه وباذله، وهو أشد مبالغة في معنى الفعل من تعديته بحرف (مِن) لأنَّ فيه كناية عن احتباس الشيء المبذول عند المبذول إليه بحيث لا يُردُّ على باذله )) [1] فالله سبحانه لن يقبل من الكفار نفقاتهم في الدنيا ولا افتداؤهم يوم القيامة وإن صدرت منهم مباشرة، فلإرادة هذا المعنى عدَّى الفعل (قبل) بـ (مِن)
وتعدي (نَتَقَبَّلُ) بـ (عن) في سورة الأحقاف كان ضمن قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الأنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ {15} أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) {الأحقاف: 15 - 16} قال ابن عاشور (( وعدِّي(نَتَقَبَّلُ) بحرف (عن) وحقه أن يُعدَّى بحرف (مِن) تغليبًا لجانب المدعو لهم، وهم الوالدان والذرية؛ لأنَّ دعاء الولد لأولئك بمنزلة النيابة عنهم في عبادة الدعاء، وإذا كان العمل بالنيابة متَقَبَّلًا عُلِم أنَّ عمل المرء لنفسه متقّبَّل أيضًا؛ ففي الكلام اختصار، كأنَّه قيل: أولئك يتقبَّل منهم ويتقبَّل عن والديهم وذريتهم أحسن ما عملوا )) [2] يعني أنَّ الولد شكر نعمة الله نيابة عن نفسه وعن والديه ودعا لذريته بالإصلاح، فيكون المعنى بالتعدي بـ (عن) كأنَّ الوالدين شكرا نعمة الله، وقبل الله جل وعلا شكرهما، وكأنَّ الذرية دعت لنفسها بالإصلاح وقبل الله سبحانه دعاءها، فإذا كان قد قبل الله عمل هؤلاء بالنيابة كان قبول عمل من ناب عنهما من باب أولى وأقرب، فتأمَّل الفرق في المعنى بين التعدي بـ (عن) والتعدي بـ (مِن) ، فلو أريد مثلًا قبول صيام الولد وصلاته لكان من الأنسب تعديه بـ (مِن) والله أعلم.
6 -جعلها بمعنى (بعد) : كقوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) {الانشقاق: 19} والتقدير: طبقًا بعد طبق، جاء في الدر المصون: (( قوله(عَن طَبَقٍ) في (عن) وجهان،
(1) التحرير والتنوير 25/ 152.
(2) التحرير والتنوير 26/ 30.