أولهما: أنَّها على بابها، والثاني: أنَّها بمعنى (بعد ) ) ) [1] إذا جاز في الحرف وجهان، فالأولى أن يُؤخَذ بالوجه الذي يتفق مع الأصل، ولا سيما إذا كان هو المقدَّم على الوجه الآخر.
وكذلك جعلوها بمعنى (بعد) في قوله تعالى: (قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ) {المؤمنون: 40} و (ما) زائدة والتقدير: بعد قليل، هذا ما ادعوه، ولم تشر كتب التفسير والمعاني إلى هذا الوجه، قال الزجاج: (( وقوله تعالى:(عَمَّا قَلِيلٍ) معناه: عن قليل )) [2] وقال الزمخشري: (( وفي معناه: عن قريب ) ) [3] وقد جاء في الدر المصون أيضًا (((عَمَّا قَلِيلٍ) في (ما) هذه وجهان، أحدهما: أنَّها مزيدة 000 و (قَلِيلٍ) صفة لزمن محذوف، أي: عن زمن قليل، والثاني: أنَّها غير مزيدة، بل هي نكرة بمعنى شيء أو زمن، و (قَلِيلٍ) صفتها أو بدل منه )) [4]
وكذلك جعلوها بمعنى (بعد) في قوله تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) {المائدة: 13} وقالوا: الدليل على ذلك استعمال (مِن) في قوله تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) {المائدة: 41} ، وكان الأجدر بأصحاب كتب حروف المعاني أن يذكروا الفرق في المعنى بين الحرفين (عن) و (مِن) ثم يبينوا بعد ذلك سر استعمال الحرف الأول من دون الثاني في الموضع الأول، وسر استعمال الحرف الثاني من دون الأول في الموضع الثاني كما فعل أصحاب كتب متشابه القرآن، قال الإسكافي: (( قوله تعالى:(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) {المائدة: 13} وقال تعالى بعده في هذه السورة: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) {المائدة: 41} للسائل أن يسأل فيقول: لِمَ قال في الأول: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) وفي الثانية: (مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) وما الفرق بين اللفظين وبين الموضعين حتى اختص كل واحد منهما باللفظ الذي خصه؟ الجواب أن يقال: أنَّ الآية الأولى في اليهود الذين حرفوا ما أنزل الله من كلامه عما علموه تأويلًا له؛ فيكون هذا تحريفًا من جهة التأويل، وحرفوا أيضًا من جهة التنزيل 000 فقولك
(2) معاني القرآن وإعرابه 4/ 12.
(3) الكشاف 3/ 183 ومدارك التنزيل ص 757.
(4) الدر المصون 8/ 342.