(عن) في كلام العرب موضوع لما عدا الشيء يقول: أطعمه عن جوع وكساه عن عري 000 و (عن) في هذا الموضع تقرب من معنى (بعد) لأنَّك تقول: أطعمه بعد جوع وكساه بعد عري، إلاَّ أنَّ الأصل في هذا المكان أن يستعمل (عن) لأنَّ (بعد) قد تكون لما تأخر زمانه عن زمانه بأزمنة كثيرة، و (عن) لما جاوز الشيء إلى غيره ملاصقًا زمنه لزمنه، والمراد إذا قال: أطعمه عن جوع وسقاه عن عطش، ليس يراد به إلاَّ أنَّه لمَّا عطش سقاه، ولمَّا جاع أطعمه، وأمَّا الآية الثانية فهي في قوم من اليهود 000 من بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم 000 بأزمنة كثيرة )) [1] (( وهذا موضع(بعد) لا موضع (عن ) )) [2]
وقال الكرماني: (( قوله (( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) وبعده: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) لأنَّ الأولى في أوائل اليهود، والثانية فيمن كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أي: حرفوها بعد أن وضعها الله مواضعها وعرفوها وعملوا بها زمانًا )) [3]
وقال ابن جماعة الكناني: (( مسألة قوله تعالى:(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) {النساء: 46} وقال بعد ذلك: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) جوابه أنَّ الأولى أريد بها التحريف الأول عند نزول التوراة 000 فجاءت (عن) لذلك، والآية الثانية تحريفهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم 000 كأنَّه قال: من بعد ما عملوا به واعتقدوا وتدينوا 000 فـ (عن) لما قرب من الأمرو (بعد) لما بعد )) [4]
هكذا كان يجب على النحاة في كتب حروف المعاني أن يسلكوا هذا الطريق، وهو أن يبينوا سر استعمال الحروف في القرآن الكريم التي يُظنُّ أول وهلة أنَّ بعضها جاء بمعنى بعض، ولو فعلوا ذلك لتوصلوا إلى الكشف عن بلاغة التعبير القرآني، فجعل حرف بمعنى حرف آخر يُعدَّ هدمًا لهذه البلاغة، وتُبنى ببيان الفرق بينهما في الدلالة والاستعمال، وقد سبق أن ذكرت في كتابي السابق، أنَّ كتب الوجوه والنظائر كتب هدامة؛ لأنَّها تهدم ما بنته كتب متشابه القرآن، وها هم أصحاب كتب حروف المعاني يسلكون السبيل نفسه الذي سلكه أصحاب كتب الوجوه والنظائر.
(1) درة التنزيل ص 91 - 92.
(2) درة التنزيل ص 92.
(3) البرهان في متشابه القرآن ص 56.
(4) كشف المعاني في متشابه المثاني ص 44.