الصفحة 239 من 298

تقاربت معانيها فبينها فروق، وأنَّ القرآن الكريم راعى هذه الفروق وقصدها قصدًا؛ لذلك لا يجوز أن نجعل بعضها بمعنى بعض، وإلاَّ فقد حرفنا المعنى المراد، قال الخطيب الإسكافي: (( قوله تعالى:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) {لقمان: 29} وقال في سورة الزمر: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) {الزمر: 5} للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في سورة لقمان بقوله (كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) وما سواه إنَّما يجري لأجل مسمى، والجواب أن يقال: إنَّ معنى قوله (يَجْرِي لاجَلٍ مُسَمًّى) يجري لبلوغ أجل مسمى، وقوله (يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ) معناه: لا يزال جاريًا حتى ينتهي إلى آخر وقت جريه المسمى له، وإنَّما خَصَّ ما في سورة لقمان بـ (إلى) التي للانتهاء، واللام تؤدي نحو معناها؛ لأنَّها تدل على أنَّ جريها لبلوغ الأجل المسمى؛ لأنَّ الآيات التي تكتنفها آيات منبهة على النهاية والحشر والإعادة فقبلها: (مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) {لقمان: 28} وبعدها: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) {لقمان: 33} فكان المعنى: كل يجري إلى ذلك الوقت، وهو الوقت الذي تُكَوَّر فيه الشمس وتنكدر فيه النجوم، كما أخبر الله تعالى، وسائر المواضع التي ذكرت فيها اللام إنَّما هي في الإخبار عن ابتداء الخلق وهو قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَ) {الزمر: 5 - 6} فالآيات التي تكتنفها في ذكر ابتداء خلق السماوات والأرض، وابتداء جري الكواكب، وهي إذ ذاك تجري لبلوغ الغاية، وكذلك قوله في سورة الملائكة إنَّما هو في ذكر النعم التي بدأ بها في البر والبحر إذ يقول: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {12} يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت