الصفحة 26 من 298

لا يصح جعل (إذ) مطابقة لمعنى وقت، لآنَّ المعنى يختلف لو جعلنا الآية بتقدير: ولن ينفعكم اليوم وقت ظلمكم اشتراككم في العذاب، بل هو معنى ركيك وتركيب ركيك،، بل هذا التقدير لا يعبر عن معنى الآية، وهذا ما يؤكد ما قلته غير مرة: إنَّ اللفظ القرآني لا يطابق معناه إلا اللفظ نفسه.

وجعل (إذ) للتعليل؛ لأنَّه صح أن تكون بمنزلة لام العلة، وبمنزلة قولنا: لن ينفعكم اليوم؛ لأنَّكم ظلمتم، جاء من تقارب معنى التركيبين؛ أي: جاز أن تقع لام العلة موقع (إذ) هنا؛ لأنَّهما تقاربا في الفائدة، ونعيد في هذا المقام قول الزجاج الذي رددته في الكتاب السابق، فقد قال في جعل (إلى) بمعنى (مع) : (( جاء في التفسير: مَن أنصاري مع الله، و(إلى) ههنا قاربت (مع) معنًى، بأن صار اللفظ لو عُبِّر عنه بـ (مع) أفاد مثل هذا المعنى، لا أنَّ (إلى) في معنى (مع) لو قلتَ: ذهب زيد إلى عمرو، لم يجز: ذهب زيد مع عمرو؛ لأنَّ (إلى) غاية و (مع) تضم الشيء إلى الشيء، فالمعنى يضيف نصرته إياي إلى نصرة الله، وقولهم: إنَّ (إلى) في معنى (مع) ليس بشيء، والحروف قد تقاربت في الفائدة، فيُظنُّ الضعيف العلم باللغة أنَّ معناهما واحد )) [1]

فأقول كما قال بأنَّ جعل (إذ) بمنزلة لام العلة في قوله تعالى: (وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ) ليس بشيء، والذي أوقع أهل اللغة والتفسير بهذا الوهم أنَّ لام العلة قاربت هنا (إذ) في الفائدة؛ فيظن الضعيف العلم باللغة أنَّها بمعناها في هذا التركيب، وهي ليست بمعناها؛ بدلالة عدم حصول هذه الفائدة في تراكيب أُخَر.

لذا نجد ابن هشام نفسه يتراجع عن القول بالتعليل، فيقول في الصفحة نفسها: (( والجمهور لا يثبتون هذا القسم وقال أبو الفتح: راجعتُ أبا علي مرارًا في قوله تعالى:(وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ) مستشكلًا إبدال (إذ) من اليوم، فآخر ما تحصَّل منه أنَّ الدنيا والآخرة متصلتان، وأنَّهما في حكم الله تعالى سواء، فكأنَّ اليوم ماض، أو كأنَّ (إذ) مستقبلة انتهى وقيل: المعنى: إذ ثبت ظلمكم، وقيل: التقدير: بعد إذ ظلمتم، وعليهما أيضًا فـ (إذ) بدل من اليوم )) [2]

(1) معاني القرآن وإعرابه 1/ 351.

(2) مغني اللبيب 1/ 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت