الصفحة 27 من 298

فالصحيح أنَّ (إذ) باقية على بابها، قال الزمخشري: (( فإن قلتَ: ما معنى(إِذ ظَّلَمْتُمْ) ؟ قلتُ: معناه: إذ صحَّ ظلمكم وتبيَّن، ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنَّكم كنتم ظالمين، وذلك يوم القيامة، و (إذ) بدل من اليوم ونظيره: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة، أي: تبيَّن أني ولد كريمة )) [1]

وقال العكبري: (( قوله تعالى:(وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ) في الفاعل وجهان: أحدهما: (أَنَّكُمْ) وما عملت فيه، أي: لا ينفعكم تأسيكم في العذاب، والثاني: أن يكون ضمير التمني المدلول عليه بقوله تعالى: (قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) أي: لن ينفعكم تمني التباعد، فعلى هذا يكون (أَنَّكُم) بمعنى: لأنَّكم، فأمَّا (إذ) فمشكلة الأمر؛ لأنَّها ظرف زمان، ولن ينفعكم وفاعله واليوم المذكور ليس بماض، وقال ابن جني في مساءلته أبا علي 000 وقال غيره: الكلام محمول على المعنى، والمعنى أنَّ ثبوت ظلمهم عندهم يكون يوم القيامة، فكأنَّه قال: ولن ينفعكم اليوم إذ صح ظلمكم عندكم، فهو بدل أيضًا، وقال آخرون: التقدير: بعد إذ ظلمتم، فحذف المضاف للعلم به 000 ويقرأ: (إِنَّكُم في العَذابِ) بكسر الهمزة على الاستئناف، وهذا على أنَّ الفاعل التمني، ويجوز على هذا أن يكون الفاعل ظلمكم أو جحدكم، وقد دل عليه (ظَلَمْتُمْ) ويكون الفاعل المحذوف من اللفظ هو العامل في (إذ) لا ضمير الفاعل )) [2]

فـ (إذ) في هذا الوجه ليست للتعليل، بل هي كالوجهين السابقين لما مضى من الزمان، واستعمال (إذ) الدالة على الزمن الماضي أمر مقصود بحد ذاته؛ لأنَّه سبحانه أراد أن يعلق عدم منفعتهم بظلم قد مضى، فلن ينفعهم البحث عما ينجيهم من العذاب إلاَّ إذا استطاعوا إرجاع الزمن الماضي؛ ذلك ليقطع لهم كل أمل في النجاة، وثمة قضية أخرى تزيدهم يأسًا وهمًّا وحسرة أنَّ التركيب القرآني غيَّب فاعل ما ينفعهم، وهو أمر مقصود أيضًا، فقد أخفاه حتى راح أهل اللغة والنحو والتفسير يبحثون عنه ولم يتفقوا على تعيينه.

4 -أن تكون للمفاجأة [3] ولا شاهد لها في القرآن الكريم.

(1) الكشاف 4/ 247.

(2) التبيان 2/ 389.

(3) ينظر: الجنى الداني ص 189 ومغني اللبيب 1/ 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت