الصفحة 264 من 298

وقال ابن هشام: (( بيان الجنس نحو قوله تعالى:(يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) الشاهد في غير الأولى فإنَّ تلك (يعني من أساور) للابتداء وقيل زائدة، ونحو: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ) وأنكر مجيء (مَن) لبيان الجنس قوم وقالوا: هي في (مِن ذَهَبٍ) و (مِّن سُندُسٍ) للتبعيض وفي (( مِنَ الأوْثَانِ) للابتداء، والمعنى: فاجتنبوا من الأوثان الرجس وهو عبادتها، وهذا تكلف )) [1]

بل هو الحق فـ (مِن) التي جُعلت لبيان الجنس إمَّا أن تكون للابتداء أو للتبعيض، و (مِن) التي للابتداء هي كما تقول: (( زيد أفضل من عمرو، وإنَّما أردت أن تُعلِم أنَّ زيدًا يُبتدَأ في تفضيله من عمرو ويكون الانتهاء في أدنى مَن فيه فضل، إذ العادة يبتدئ التفضيل مما يقرب من الشيء ويدانيه في الصفة التي تقع فيها المفاضلة ) ) [2] فقول النحاة بمجيء (مِن) لبيان الجنس في قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ) مبني على أنّ الرجس هو الوثن نفسه، حتي جعلوا الآية كما تقدم بتقدير: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن، أو فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وليس القول ما قالوا، فالوثن وإن كان اسم جنس إلاَّ أنَّه داخل ضمن معنى جنس أعم منه وهو الرجس، وهذا واضح من كلام ابن يعيش نفسه المذكور: (( وذلك أنّ سائر الأرجاس يجب أن تُجتنب، وبيَّن المقصود بالاجتناب من أيِّ الأرجاس ) ) (( فالوثن: الصنم سواء كان من خشب أو حجر أو غيره ) ) [3] (( والأوثان عند العرب: كل تمثال من خشب أو حجارة أو ذهب أو فضة أو نحاس ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها ) ) [4] (( والرجس: القذر ) ) [5] (( وكل شيء يُستقذر منه فهو رجس ) ) [6] فالوثن رجس من الأرجاس، أي: نوع منه، فليس المعنى أو التقدير: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن، أو فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان كما قالوا، فـ (مِن) للابتداء والمعنى: فاجتنبوا الأرجاس، رجسًا بعد رجس، واجعلوا اجتنابها يبدأ من الأوثان، كأنَّه عدَّ الأوثان منبع

(1) مغني اللبيب 1/ 319.

(2) شرح جمل الزجاجي 1/ 262.

(3) المصباح المنير ص 647.

(4) لسان العرب 15/ 153.

(5) مقاييس اللغة ص 372.

(6) المصباح المنير ص 219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت