الأرجاس، وجاز أن تكون (مِن) تبعيضية، إذا كان المراد الاقتصار على اجتناب الأوثان، التي هي بعض الأرجاس، وكذلك قولهم بأنَّ (مِن) لبيان الجنس في المثال: ثوب من صوف، مبني على أنَّ الثوب هو الصوف، والحقيقة أنَّه ما أريد جعل الثوب هو الصوف، بل هذا المثال لا يمكن فهمه إلاَّ على أنَّ المراد من الثوب ما ينسج منه الثوب، أي: قماشه أنَّه من صوف وليس من قطن أو وبر أو حرير وغير ذلك، فتكون (مِن) تبعيضية؛ لأنَّ الصوف واحد مما يُنسج منه الثوب، وكذلك المثال: خاتم من حديد، فليس المراد الخاتم بشكله وصياغته، أنَّه من حديد، بل المراد معدنه أنَّه من حديد، والمعادن أنواع: منها الذهب والفضة والألماس والحديد، فتكون (مِن) تبعيضية؛ لأنَّ الحديد بعض المعادن، وكذلك قوله تعالى: (أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ) فإنَّ الأساور تكون من معادن مختلفة، والذهب بعضها، وكذلك قوله تعالى: (ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) والثياب تكون من أقمشة مختلفة والسندس والإستبرق بعضها.
والمراد بالجبال في قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ) السحب التي شُبِّهت بالجبال [1] إلاَّ أنَّ هذه الجبال ليست من صخر أو من معدن بل هي من بَرَد، فتكون (مِن بَرَدٍ) للتبعيض و (من) الأولى للابتداء والثانية بدل من الأولى.
فكل (مِن) قيل بأنَّها لبيان الجنس إنَّما هي للابتداء أو للتبعيض، وهذا ما قالوا به جاء في الدر المصون أنَّ (مِن ثَمَرَةٍ) للابتداء في قوله تعالى: (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) {البقرة: 25} [2] ، والمراد جنس الثمر ابتداء من أول ثمرة في هذا الجنس، والمعنى: كلما رزقوا من ثمرة أية ثمرة كانت قالوا، وجاء فيه أيضًا أنَّ (((مِنْ غَيْرِ) لابتداء الغاية )) [3] في قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) {الطور: 35} وجاء فيه أنَّ (مِنْ آيَةٍ) للتبعيض في قوله تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) [4] والصحيح أنَّها للابتداء، والمراد جنس الآيات ابتداء من أول آية في هذا الجنس، والمعنى: ما ننسخ من آية أيَّة آيةٍ كانت نأت بخير منها، وقال الحلبي في قوله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ) {البقرة: 102} (( مِن: زائدة لتأكيد الاستغراق لا للاستغراق؛ لأنَّ(أَحَدٍ) يفيده بخلاف: ما جاءني
(1) ينظر: التحرير والتنوير 8/ 209 - 210.
(2) ينظر: الدر المصون 1/ 215.
(3) الدر المصون 10/ 77.
(4) ينظر: الدر المصون 2/ 57.