من رجل، فإنَّها زائدة للتوكيد )) [1] وهذا من الوهم الذي وقع فيه النحاة والمفسرون لاأنَّ (رجل) تفيد جنس الرجال، و (أحد) تفيد جنس الرجال والنساء، و (من) للابتداء، والمراد جنس الأحد الذي يشمل الجنسين، والمعنى: وما يعلمان من رجل أيَّ رجل كان، وما يعلمان من امرأة أيَّة امرأة كانت، وجاء فيه أيضًا أنَّ (مِن) لبيان الجنس في قوله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ) {الأعراف: 43} [2] والصحيح أنَّها للابتداء، والمراد جنس الغل، ابتداء من أول غل في هذا الجنس، والمعنى: ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ أيَّ غل كان.
وقال ابن هشام: (( وفي كتاب المصاحف لابن الأنباري أنَّ بعض الزنادقة تمسك بقوله تعالى:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) {الفتح: 29} في الطعن على بعض الصحابة، والحق أنَّ (مِن) فيها للتبيين لا للتبعيض، أي: الذين آمنوا هم هؤلاء، ومثله قوله تعالى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْرٌ عَظِيمٌ {آل عمران: 172} وكلهم محسن ومتق ) )وقوله تعالى: (وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) {المائدة: 73} فالمقول فيهم ذلك كلهم كفار )) [3]
قال الزمخشري في تفسير (أَحْسَنُوا مِنْهُمْ) في التي في سورة آل عمران (( من: للتبيين مثلها في قوله تعالى:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) {الفتح: 29} لأنَّ الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم )) [4] فهي كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ) [5] وقال: (( و(مِن) في قوله تعالى: (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) {المائدة: 73} للبيان كالتي في قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ) فإن قلتَ فهلاَّ قيل: ليمسنهم عذاب أليم؟ قلتُ: في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة، وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ
(1) الدر المصون 2/ 36.
(2) الدر المصون 5/ 323.
(3) مغني اللبيب 1/ 319
(4) الكشاف 1/ 431
(5) ينظر: الدر المصون 9/ 725.