سيبويه إلى أنَّها حرف كـ (إن) الشرطية، وذهب المبرد وابن السراج وأبو علي ومن وافقهم إلى أنَّها باقية على اسميتها، وإنَّ مدلولها من الزمان صار مستقبلًا بعد أن كان ماضيًا )) [1]
وهذا الاختلاف جاء فيما يبدو لكون (إذما) أصلها (إذا) الشرطية و (ما) الظرفية الزمانية فمن لحظ الجزء الأول من هذا الأصل جعلها حرفا بمنزلة (إن) الشرطية ومن لحظ الجزء الثاني جعلها اسما بمعنى الظرف.
فلعل (إذما) أصلها (إذا ما) إلا أنَّ العرب عمدوا في أمثلة معينة إلى تقوية شرطية (إذا) بقطع حركة آخرها ليوافقوا بذلك دلالة (ما) على العموم، فلما قووا الشرط باسكان (إذْ) جزمت فصارت مثل (إن) في لفظها وجزمها، ولم يستعملها القرآن الكريم؛ لأنَّه استعمل عوضا عنها (إن ما) التي ترسم بعد الإدغام (إمَّا) ، وهي بمعنى (إذما) وأقوى منها أصالة.
مر قولهم بأنَّ الأصل في (إذ) أن تكون ظرفًا لما مضى، وقد تجيء مثل (إذا) ظرفًا لما يستقبل، والحقيقة أنَّ (إذ) لا تكون إلاَّ ظرفا لما مضى، وما دلّ منها على الاستقبال، فهو من باب التعبير عن المستقبل بصيغة الماضي؛ لتحقق وقوعه، وهو كثير في القرآن الكريم، أمَّا (إذا) فتجيء لما مضى ولما يستقبل على حد سواء، ولا عبرة في هذا الفرق، لكنْ ثمة فرق أساسي بينهما لم يتحدث عنه النحاة والمفسرون، وهم يصرحون بأنَّ (إذ) تجيء مثل (إذا) فيما يستقبل، وهو أنَّ (إذا) باستثناء الفجائية لا تجيء إلاَّ مُضمَّنة معنى الشرط، أمَّا (إذ) فهي ظرفية فحسب، مجردة من معنى الشرط ومن لوازمه.
قلت في أحد مؤلفاتي: (( قد جاءت(إذ) في القرآن الكريم تفيد معنى الشرط؛ و (إذ) هذه هي في الحقيفة (إذا) الشرطية نفسها، عُمِد في أمثلة معينة إلى تقوية شرطها بقطع حركة آخرها، فصارت مثل (إن) في شرطها وجزمها، ولم يتحدث النحاة عن ورود هذه الأداة الجازمة في القرآن الكريم، مع أنَّه قد وردتْ مقترنة بـ (لم) في قوله تعالى: (لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) {النور: 13} وقد فسرها الطبري بقوله: (( فإذا لم يأتوا بالشهداء الأربعة 000 فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) ) [2] فجعل (إذ لم) بمعنى (إذا لم) ، وجاء في الدر المصون: (((فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا) 000 وهذا الكلام
(1) الجنى الداني ص 190 - 191.
(2) جامع البيان 18/ 117.