يُجمعون فيه ويساقون إلى الموقف )) [1] والذي أريد أن أنوَّه به في هذا المقام أن الحرف يُؤتى به مع الفعل للتعبير عن دلالته من دون أن يغير دلالة الفعل، فقد جُعِل الأصل في الفعل (جمع) أن يتعدى إلى مفعوله الثاني بـ (في) لأنَّ احتياج هذا الفعل إلى معنى الظرفية في المفعول الثاني هو الشائع؛ لذا شاع أن يقال مثلًا: جمع المدير الطلاب في الساحة أو في الصفوف، لكن إذا أريدت معنى المعية بدلًا من الظرفية وجب استعمال (مع) ، وأن يقال: جمع المدير الطلاب مع المعلمين، وإذا أريدت معنى العلة، وجب استعمال اللام وأن يقال: جمع المدير الطلاب لنصحهم وإرشادهم أو لتحية العلم، وإذا أريد معنى الوسيلة، وجب استعمال الباء وأن يقال: جمع المدير الطلاب بالبوق، وإذا أريد جمعهم في مكان بعيد خارج المدرسة، كان من المناسب استعمال (إلى) وأن يقال: جمع المدير الطلاب إلى ملعب المدينة، وهذا هو المعنى الذي من أجله استعملت (إلى) في قوله تعالى: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) لأنَّ الخطاب موجه إلى الناس في الدنيا، فبينهم وبين قيام الساعة أعمار وأجيال وأطوار وأهوال، فاستعملت (إلى) التي هي أطول تركيبًا من اللام للتعبير عن طول هذه المسافة الزمانية والمكانية، والتي سيتم فيها نقلهم من أسواقهم وهم فيها يلعبون إلى يوم القيامة وهم فيه مجتمعون للحساب.
كتب حروف المعاني وبلاغة القرآن: كما عطل أصحاب كتب الوجوه بوجوههم المختلقة البحث في بلاغة القرآن، كذلك عطَّل أصحاب كتب حروف المعاني بالمعاني المختلقة هذا الجانب من الدراسة، فقد جعلوا كما تقدم (إلى) بمعنى اللام في قوله تعالى: (وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) {يونس: 25} والمعنى: يهدي لصراط مستقيم [2]
وجعل (إلى) بمعنى اللام في هذه الآية ونحوها يلغي البحث عن بلاغة استعمال كل منهما في موضعها؛ فقد جاء هذا الفعل متعديًا إلى مفعوله بنفسه، وباللام، وبـ (إلى) في
(1) الفروق اللغوية للعسكري ص 162.
(2) ينظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 300 والجنى الداني ص 387 ومغني اللبيب 1/ 75 والإتقان ص 232