السياق نفسه، قال المرادي: (( فقد جاء: هديتُ زيدًا إلى الطريقِ، والطريقَ ) ) [1] وقال الزمخشري: (( هدى: أصله أن يتعدَّى باللام، أو بـ(إلى) كقوله تعالى: (إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) {الإسراء: 9} (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) {الشورى: 52} )) [2] ومثل هذا قال أبو حيان الأندلسي [3] ، وتلميذه الحلبي: (( ثمَّ يتسع فيه؛ فيحذف الحرف؛ فيتعدَّى بنفسه، فأصل:(اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) {الفاتحة: 6} اهدنا للصراط، أو: إلى الصراط، ثم حُذِفَ ))) [4]
ولكون (إلى) أطول بناءً من اللام؛ فإنَّ استعمالها في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) {الشورى: 52} يدل على أنَّ طريق الهداية طويل، كأنَّ الله، سبحانه يخاطب حبيبه المصطفى: يا محمد إنَّك لتهدي الناس إلى الإسلام بتبليغ دؤوب، وجهد طويل، وباستعمال اللام في قوله تعالى: (إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) {الإسراء: 9} يكون المعنى: أنَّ هذا القرآن يهدي الناس إلى ما هو أفضل وأقوم، بأقصر الطرق، وأيسر السبل، والله، سبحانه وتعالى، كما ورد في الحديث النبوي،، يعلمنا أنَّه إذا سألناه، أن نسأله أعلى المنازل؛ لأنَّه، تعالى ذكره، كريم، فنحن لا نسأله أن يهدينا إلى الصراط، ولا نسأله أن يهدينا للصراط، بل نسأله وندعوه أن يمكننا من أن نتمثل صراطه المستقيم قولًا، وعقيدة، وعملًا، بمعنى أن نستوعبه ونحتوي عليه، ولا يتحقق هذا المعنى إلاَ بنصب (الصراط) على معنى المفعولية، ولهذا علمنا الله، سبحانه، أن ندعوه بقوله تعالى: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) {الفاتحة: 6}
ولأنَّ لكل من اللام، و (إلى) ، دلالتها الخاصة، حتى إنَّه لا يمكن أن تعوض إحداهما عن الأخرى، فقد جمع بينهما في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) {يونس: 35}
(1) شرح التسهيل ص 439.
(2) الكشاف 1/ 25
(3) البحر المحيط 1/ 41.
(4) الدر المصون 1/ 62.