الصفحة 53 من 298

مبنية على أنَّ المستفهِم هو الذي يعيِّن أحد الأمرين، ويمليه على المخاطَب ليقرَّه؛ لأنَّه يمثل حقيقة يعلمها المخاطَب ولا يستطيع أن يردَّها.

وهذا هو الغرض من استعمال (أم) في القرآن الكريم التي اصطلحوا على تسميتها بالمتصلة، قال المبرد: (( فأمَّا(أم) فلا تكون إلاَّ استفهامًا، وتقع من الاستفهام في موضعين: أحدها أن تقع عديلة للألف على معنى (أيّ) وذلك قولك: أزيد في الدار أم عمرو؟ وكذلك: أأعطيتَ زيدًا أم حرمته؟ فليس جواب هذا (لا) ولا (نعم) 000 لأنَّ المتكلم مُدَّعٍ أنَّ أحد الأمرين قد وقع، فالجواب أن تقول (زيد) أو (عمرو) 000 فمن ذلك قول الله عز وجل: (أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ) {ص: 63} وقوله تعالى: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء) {النازعات: 27} ومثله: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) {الدخان: 37} فخرج هذا مخرج التوقيف والتوبيخ، ومخرجه من الناس يكون استفهامًا ويكون توبيخًا )) [1]

فقد نبَّه المبرد على أنَّ ما قاله في المثالين لا ينطبق على الشاهد القرآني، لأنَّه لا يصح فيه أن يكون قائله مُدَّع أنَّ أحد أمريه قد وقع، وأنَّه استفهم ليطلب تعيين أحدهما لعدم علمه به، لذلك نبَّه على أنَّ الاستفهام في الآية خرج مخرج الاستفهام المجازي الذي لم يرد منه التعيين بل أريد منه التوقيف والتوبيخ.

وقد استشهد ابن يعيش وابن مالك وابن هشام في هذا الباب بالشاهدين القرآنيين، وأضافوا إليهما قوله تعالى: (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) {الفرقان: 15} وقوله تعالى: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) {الصافات: 62} وقوله تعالى: (أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) {الواقعة: 59} [2] وهذه الشواهد لا يصح أن تفسَّر وفق التعريف الذي اتفق عليه النحاة ولا يصح أن تُحمَل على ما حُملت عليه الأمثلة المصنوعة، فقوله تعالى في سورة الفرقان: (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) لا يصح أن تكون نحو: أزيد في الدار أم عمرو؟ لأنَّ المخاطَب في هذا المثال هو الذي يعيِّن أحد الاسمين ويفرض على المستفهِم القبول به، لأنَّه هو الذي يعلم به من دون المستفهِم، وعلى العكس من ذلك الشاهد القرآني، وهو أنَّ

(1) المقتضب 2/ 233.

(2) ينظر: شرح المفصل 5/ 17 وشرح التسهيل لابن مالك 3/ 248 ومغني اللبيب 1/ 41 - 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت