المستفهٍم هو الذي يعيِّن أحد الاسمين، لحمل المخاطَب على الإقرار به، وقد تقدم الآية وصف النار، واسم الإشارة (ذَلِكَ) راجع إليها، ولا يصح جعل الاستفهام في الآية حقيقيًّا؛ لأنَّه لا يصح أن يكون المراد من (أم) والهمزة التعيين؛ لأنَّه ما من أحد لا يعلم أنَّ الجنة خير من النار، وقد تبيَّن أنَّ الغرض من همزة الاستفهام المجازي هو حمل المخاطَب على إنكار ما جاء بعد الهمزة و (أم) أو إقراره؛ ليشارك المستفهِم في هذا الإنكار أو الإقرار، فالاستفهام في الآية مجازي، وهو في الهمزة للإنكار، أي: أريد منه حمل المخاطَب على إنكار أن تكون النار خيرًا من الجنة، وهو في (أم) للتقرير، أي: أريد منه حمل المخاطب على الإقرار بأنَّ جنة الخلد خير من النار.
وكذلك (أم) عاطفة متصلة في سورة الصافات في قوله تعالى: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) وما أريد منها التعيين، بل التقرير، أي: حمل المخاطب على الإقرار بالأمر الأول من دون الثاني، أي: على الإقرار بالمشار إليه من دون شجرة الزقوم
وكذلك (أم) عاطفة متصلة في سورة الواقعة في قوله تعالى: (أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) {الواقعة: 59} وما أريد منها التعيين، بل التقرير أي: حمل المخاطبين على الإقرار بالأمر الثاني من دون الأول، أي: على الإقرار بأنَّ الله هو الخالق وليسوا هم
وكذلك (أم) في سورة ص في قوله تعالى: (وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الأشْرَارِ {62} أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ) متصلة وما أريد منها التعيين، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بوصل الألف وكسرها في (اتَّخَذْنَاهُمْ) أي: بجعلها خبرًا، وقرأ الباقون (أَتَّخَذْنَاهُمْ) بالهمز، أي: بجعلها همزة استفهام، قال أبو علي النحوي: (( فأمَّا وجه من فتح الهمزة فإنَّه يكون على التقرير 000 فإن قلتَ: فما الجملة المعادلة لقوله سبحانه(أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ) في قول من كسر الهمزة، فالقول فيه: إنَّ الجملة المعادلة لـ (أم) محذوفة والمعنى: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار )) [1] فأبو علي النحوي جعل (أم) متصلة في القراءتين بردها على همزة الاستفهام في قراءة من أهمز، وبردها على استفهام مقدر في قراءة من وصل وكسر، ويمكن بهذا التقدير جعل كل (أم) منقطعة متصلة، وإن كانت مسبوقة بخبر محض، وقال مكي ابن أبي طالب القيسي: (( وقد قيل: إنَّ(أم) في قراءة من وصل معادلة لـ (ما) في قوله تعالى: (مَا لَنَا لا نَرَى) وذلك أحسن؛ لأنَّ (أم) إنَّما تقع في
(1) الحجة في علل القراءات السبع 4/ 249 - 250.