الصفحة 55 من 298

أكثر أحوالها معادلة للاستفهام و (ما) استفهام، وحجة من أهمز أنَّه حمله على لفظ الاستفهام الذي معناه التقرير والتوبيخ، وليس هو على جهة الاستخبار عن أمر لم يُعلَم، بل علموا أنَّهم فعلوا ذلك في الدنيا، فمعناه أنَّه يوبِّخ بعضهم بعضًا على ما فعلوه في الدنيا من استهزائهم بالمؤمنين )) [1] أي: أنَّه ما أريد بـ (أم) والهمزة التعيين؛ لعلمهم به وإنَّما حمل أنفسهم على إنكار ما فعلوا، كما أنَّ القيسي كأبي علي النحوي جعل (أم) متصلة في القراءتين؛ ذلك بردها على همزة الاستفهام في قراءة من أهمز، وبردها على (ما) الاستفهامية في قراءة من وصل، وقال الزمخشري: (( وقوله تعالى:(أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ) له وجهان من الاتصال: أحدهما: أن يتصل بقوله تعالى (مَا لَنَا) 000 والوجه الثاني: أن يتصل بقوله تعالى (أَتَّخَذْنَاهُمْ) 000 على معنى إنكار الأمرين جميعًا على أنفسهم، وعن الحسن: كل ذلك فعلوا، اتخذوهم سخريًّا وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم )) [2] والزمخشري كمكي القيسي أجاز اتصال (أم) بردها على (ما) الاستفهامية، وهذا يعني أنَّه يمكن كسر القاعدة النحوية؛ ذلك برد (أم) المتصلة على استفهام بغير الهمزة.

فمعنى الآيتين في سورة ص: مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدّهم منَ الأشْرَارِ في الدنيا، ما لنا لا نراهم معنا اليوم في النار، ألأنَّنا سخِرنا منهم في الدنيا وهم أهل كرامة، فكانوا من أهل الجنة، وكنَّا من أهل النار، أم هم معنا في النار: لكن زاغت أبصارنا عنهم؛ لأنَّه خفي علينا مكانهم؟ فأنت ترى أنَّه ما أريد من (أم) تعيين أحد الأمرين، وإنَّما إنكار الأمرين جميعًا.

وكذلك الاستفهام في سورة النازعات: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء) مجازي تقريري والمراد منه حمل المخاطبين على الإقرار بما جاء بعد (أم) من دون ما جاء بعد الهمزة، أي: الإقرار بأنَّ السماء هي الأشد خلقًا، ومثله قوله تعالى في سورة الدخان: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ)

وقد قال الزركشي المقلد للنحاة والمتكلم عن لسانهم: (( فالمتصلة هي الواقعة في العطف 000 والمراد بها الاستفهام عن التعيين 000 كقوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ

(1) الكشف عن وجوه القراءات 2/ 234.

(2) الكشاف 4/ 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت