الصفحة 94 من 298

والرجوع عنه إمَّا لغلط أو لنسيان على ما ذكرنا )) [1] فجعل (أم) منقطعة قائم على معنى الإضراب الإبطالي الذي لا يصح وقوعه في القرآن الكريم كما تقدم، بل هذا المعنى لم يكن في الأصل مرادًا حتى في قول العرب: إنَّها لإبل أم شاء؟ قال الجرجاني: (( ويدلك على أنَّ(أم) ليس كالهمزة على الإطلاق أنَّك لو قلتَ: إنَّها لإبل أهي شاء؟ لم تكن قد عطفت قولك: أهي شاء؟ بالجملة التي قبلها، وإذا قلتَ: إنَّها لإبل أم هي شاء، كنتّ قد عطفت هذه على الأولى )) [2] لقد كان ينبغي لأهل النحو والتفسير أن يقفوا جميعًا عند هذه النتيجة، لكن الذي جعلهم لا يأخذون بها هو تفسيرهم الذي أجمعوا عليه على أنَّ (أم) المنقطعة موضوعة لتدارك كلام غلط فيه المتكلم، وهذا المعنى يُعبَّر عنه بـ (بل) والهمزة، إلاَّ أنَّ المتكلم ما أراد هذا المعنى، ولو أراده لقال في البدء: إنَّها لإبل بل أهي شاء؟ لكنه لما قال: إنَّها لإبل أم شاء؟ فقد أراد من (أم) المعنى الموضوع لها أنَّها استفهامية عاطفة لأحد الشيئين.

إنَّه بعد أن تبيَّن أنَّه لا يصح جعل (أم) بمعنى (بل) وحدها لِما تقدَّم ذكره، فإنَّه كان ينبغي للنحاة أن يتراجعوا عن قولهم بـ (أم) المنقطعة ويذهبوا إلى إلغائها، إلاَّ أنَّهم راحوا يرقعون ما ذهبوا إليه بجعل (أم) بتقدير: (بل) والهمزة ظنًّا منهم أنَّه يطابق دلالة (أم) المنقطعة بيد أنَّه لم يزل بين هذا التقدير وبين (أم) فرق أساسيٌّ فجعل قوله تعالى مثلًا: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) {يونس: 38} بتقدير: بل أيقولون افتراه؟ يكون المراد حمل المخاطب على إنكار ما جاء بعد الهمزة فحسب، شأنها في ذلك شأن كل كلام يستأنف بهمزة استفهام إنكاري كقوله تعالى: (أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) {الأعراف: 28} لكنه باستعمال (أم) يكون المراد حمل المخاطب على أن ينظر نظرة تأمل واحدة بين ما جاء بعد الهمزة وما جاء قبلها ويوازن بينهما؛ ليرى أيّهما أحق بالإقرار ليقره، وأيّهما أحق بالإنكار لينكره؛ لأنَّ (أم) عاطفة لأحد الشيئين، وجعلها بمعنى (بل) والهمزة يجردها من هذا العطف.

يضاف إلى ذلك أنَّه قد ورد في اللغة دخول (بل) على (هل) لكنه لم يرد دخول (بل) على همزة الاستفهام فكيف يصح أن نجعل (أم) في القرآن الكريم بهذا التقدير؟!

(1) شرح المفصل لابن يعيش 5/ 27.

(2) المقتصد 2/ 248 - 249.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت