وقد استشهد ابن قتيبة بجعل (أم) بمعنى (أو) بقوله تعالى: (أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ {16} أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) {الملك: 16 - 17}
أكَّد النحاة كما رأيت وجود فرق أساسي بين (أم) و (أو) وتوسَّعوا كثيرًا في تبيين هذا الفرق بينهما حتى استوفوا جميع حالاتهما، ولكن على الرغم من ذلك فثمة مشكلة عانيت منها وأنا أحاول تطبيق ما توسعوا فيه على القرآن الكريم؛ ذلك أنَّ الاستفهام في أغلب الشواهد التي جاؤوا بها في باب التفريق بين (أم) و (أو) كان استفهامًا حقيقيًّا، بينما لم ترد (أم) في القرآن الكريم إلاَّ ضمن الاستفهام المجازي، وقد تبين في باب الهمزة أنَّ الغرض من استعمال الاستفهام المجازي يكون عند النحاة لمعان كثيرة، وثبت عندي أنَّه يكون إمَّا للإنكار أو التقرير، قال ابن عاشور في تفسير الآية 16: (( والاستفهام إنكار وتوبيخ وتحذير ) ) [1] وقال في تفسير الآية التي أعقبتها: (((أم) لإضراب الانتقال من غرض إلى غرض، وهو انتقال من الاستفهام الإنكاري التعجيبي إلى آخر مثله، فالاستفهام الأول إنكار على أمنهم من أن يفعل فعلًا أرضيًّا، والاستفهام الواقع بعد (أم) إنكار عليهم أن يأمنوا من أن يُرسَل عليهم من السماء حاصب، وذلك أمكن لمن في السماء وأشدُّ وقعًا على أهل الأرض )) [2]
والمعنى أنَّ الله سبحانه يحذر ويخوف المشركين من عذابين، خسف الأرض وإرسال الحاصب، فاستعمل (أم) ليجعل العذاب الثاني عديلًا للعذاب الأول، وهذا يعني في حال الاستفهام الحقيقي أنَّ المستفهِم يعلم أنَّ أنَّ أمن أحد العذابين قد وقع، وهذا ما يعترف به المسؤول، فيسأل ليطلب تعيين أحدهما، والتقدير: أيُّهما أمنتم ذا أم ذا؟ لدا وجب أن يكون الجواب بالتعيين، أي: وجب أن يكون الجواب: أمنَّا عذاب الخسف، أو أن يكون الجواب: أمنَّا عذاب الحاصب، وهذا يعنى أنَّ (أم) عاطفة متصلة، إلاَّ أنَّ الاستفهام في الآية مجازي، وأريد منه حمل المشركين على إنكار أمنهم من العذاب الأول، وعلى إنكار أمنهم من العذاب الثاني، وأنت ترى أنَّه باستعمال (أم) يكون هناك استفهامان: الأول قبل (أم)
(1) التحرير والتنوير 29/ 31.
(2) التحرير والتنوير 29/ 33.