والثاني: بعدها، واستعملت (أم) للمعادلة بينهما، ولكن لو جعلنا (أو) بدلًا منها لألغينا الاستفهام الثاني، وألغينا المعادلة بينهما التي لا تكون إلاَّ بين شيئين، وجعلنا الكلام استفهامًا واحدًا؛ لأنَّه باستعمال (أو) يكون التقدير: أأحدهما أمنتم؟ والإنكار ينصب عليهما معًا؛ لأنَّهما باستعمالها يكونان بمنزلة اسم واحد، أي: باستعمال (أم) في الآية صار استفهامان وإنكاران، وهو إنكار ما جاء بعد (أم) وإنكار ماء جاء قبلها، وباستعمال (أو) يكون استفهام واحد وإنكار واحد كقوله تعالى: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) {مريم: 98} فالاستفهام مجازي، والمراد منه حمل المخاطب على إنكار كل ما جاء بعد (هل) ، وكقوله تعالى: (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ {72} أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) {الشعراء: 72 - 73} والاستفهام مجازي والمراد منه أيضًا حمل المخاطبين على إنكار ما جاء بعد هل: أي: على إنكار سمعهم ونفعهم وضرهم، بمعنى أنَّهم لا يسمعون ولا ينفعون ولا يضرون، وهذا الفرق يتضح أكثر في الآية الثانية التي استشهد بها ابن قتيبة وهي قوله تعالى: (أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا {68} أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا) {الإسراء: 67 - 68} والمعنى: أأمنتم خسف جانب البر بكم أو إرسال الحاصب عليكم أم أمنتم أن يقوي دواعيكم ويوفر لكم حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه، ويرسل عليكم قاصفًا من الريح، وقد أُدخلتْ (أو) بين خسف جانب البرّ، وإرسال الحاصب؛ لأنَّه ما أريد جعل إرسال الحاصب عديلًا لخسف جانب البرِّ بمعنى أيُّهما، وإنَّما أُريد جعلهما بمنزلة اسم واحد؛ لِيُعادَل بين أحدهما وبين العودة إلى البحر، ويكون المعنى: أيُّهما أمنتم أحدهما أم قصف البحر؟ والاستفهام في الآية مجازي أريد منه حمل المشركين على إنكار ما جاء بعد (أم) وإنكار ما جاء فبلها، ففي الآية استفهامان وإنكاران، ولو جعلنا (أم) بمعنى أو ألغينا المعادلة وبإلغائه يُلغى الاستفهام بعدها ويصبح الكلام استفهامًا واحدًا وإنكارًا واحدًا، فلا يصح جعل (أم) بمعنى (أو) لأنَّ في ذلك تغييرًا للمعنى المراد.
جعل (أم) المنقطعة زائدة: قال ابن فارس: (( وقال أبو زيد: العرب تزيد(أم) وقال في قوله جل ثناؤه (أَمْ أَنَا خَيْرٌ) {الزخرف: 52} معناه: أنا خير )) [1] وقال الهروي:
(1) الصاحبي في فقه اللغة ص 88.