وفي السنة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء". والباءة هي القدرة على مؤن الزواج وتكاليفه، وغض البصر أي كفه عن ما لا يحل، وحفظ الفرج أي منعه من الزنا، والوجاء هو نوع من الخصاء والمراد به قطع شهوة. والحديث فيه تحريض للشباب القادر على الزواج وبيان فضله وسمو مكانته، وخص النبي صلى الله عليه وسلم الشباب بالخطاب. لأنه الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح. بخلاف غير الشباب وإن كان المعنى معتبرًا إذا وجد السبب في غير الشباب مهما بلغت سن هذا الغير [1] .
والزواج سنة الأنبياء والمرسلين، قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ... } [2] ، شرعه الله لعباده من عهد آدم - عليه السلام - إلى الآن وحتى يوم القيامة، وسلكه في عداد آياته الكبرى، مع خلق البشر من تراب، وخلق السموات والأرض، وأسسه على أقوى المبادئ وئامًا، وذلك لما له من الآثار الخطيرة والفوائد الجليلة على كل من الرجل والمرأة والأولاد، والنوع الإنساني بأسره.
ولذا فللزواج فوائد كثيرة تتمثل في أنه الوسيلة السوية لتلبية الإنسان غريزته وفطرته على الوجه المشروع، ذلك أن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان رجل وامرأة كما أودع في غيره من سائر الحيوانات غريزة الجنس، وحبب إليه الاتصال والتقارب، ولو ترك الرجل والمرأة حرين يتصل كل منهما بمن يشاء لإشباع غريزته الجنسية دون التقيد بأوضاع خاصة أو حدود معينة، لتساوى الإنسان مع غيره من أنواع الحيوان في سبيل تلبية هذه الفطرة عن طريق الفوضى والشيوع، وعندئذ لا يكون الإنسان ذلك المخلوق الذي سواه الله ونفخ فيه من روحه، ثم منحه العقل والتفكير، وفضله على كثير من خلقه، وجعله خليفة على الأرض، وسخر له الكون وذلله لإرادته، من ثم كان الزواج الإنساني الذي يتمثل في أوضاع خاصة وحدود معينة تنظيمًا للفطرة والغريزة، غريزة الجنس والتي أودعت في الإنسان كما أودعت في غيره من سائر الحيوان [3] .
أما الزواج الباطل فهو الذي فقد ركنًا من أركانه أو شرطًا من شروط انعقاده، كما إذا كان العاقد صبيًا غير مميز أو مجنونًا، وكما لو عقد الرجل على امرأة محرمة عليه تحريمًا قطعيًا لا يشتبه فيه على أحد من الناس كالعقد على الأم أو البنت أو الأخت أو العمة أو الخالة أو كالعقد على امرأة متزوجة برجل آخر، أو كان القبول - في صيغة العقد -
(1) محمد كمال الدين الإمام، أحكام الزواج في الشرع الإسلامي، القاهرة، 1994، ص 57.
(2) سورة الرعد: الآية 38.
(3) أحمد فراج حسين، مصدر سابق، ص 21.